تراجع القيم الدينية في الإعلام المعاصر بين متطلبات السوق وغياب الرسالة

تراجعت مساحة القيم الدينية والأخلاقية في المشهد الإعلامي المعاصر، في وقت تتصدر فيه مواد الترفيه والسياسة والمحتوى الرقمي السريع واجهات القنوات التلفزية والمنصات الإلكترونية.

 

هذا التراجع، الذي يلامس حدود الغياب شبه التام، يثير تساؤلات جدية حول موقع الرسالة القيمية في إعلام يُفترض فيه أن يساهم في بناء الإنسان وتماسك المجتمع، لا الاكتفاء بملاحقة نسب المشاهدة.

وشكّل الإعلام، عبر مراحل تاريخية مختلفة، إحدى أهم القنوات لنشر الوعي الديني وترسيخ المبادئ الأخلاقية، باعتباره أداة للتربية والتقويم وتعزيز الانتماء الروحي.

 

غير أن التحولات التي عرفها القطاع الإعلامي، بفعل المنافسة التجارية وتسارع الإيقاع الرقمي، أفرزت واقعا جديدا باتت فيه المضامين الدينية تُصنّف في خانة “المحتوى الهامشي” أو غير الجذاب جماهيريا.

ويُعزى هذا التراجع، وفق متتبعين، إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها هيمنة المحتوى الترفيهي القائم على الإثارة والدراما، الذي يُسوَّق على أنه الأكثر قدرة على استقطاب الجمهور والإعلانات.

 

في المقابل، يُنظر إلى الخطاب الديني، في كثير من الأحيان، باعتباره تقليديًا أو غير قابل للتجديد، وهو تصور ساهم في إبعاده عن الأجندات التحريرية.

كما لعب الخوف من الجدل والانقسام دورا إضافيا في هذا الصمت الإعلامي، إذ تتجنب بعض المنابر الخوض في القضايا الدينية خشية التأويلات المتباينة أو الانتقادات، خاصة داخل مجتمعات تعرف تنوعًا في الرؤى والمرجعيات.

 

ويُضاف إلى ذلك تراجع الثقافة الدينية المكتوبة والمرئية، في ظل سيطرة المحتوى المختصر والسريع الذي لا يتيح معالجة عميقة للقضايا القيمية.

ولا يقل غياب الكفاءات الإعلامية المتخصصة في الشأن الديني أثرًا عن باقي العوامل، حيث أصبح تقديم خطاب ديني عصري، متوازن وجذاب، تحديًا حقيقيًا في ظل نقص التكوين وضعف الاستثمار في هذا المجال.

ورغم هذا الواقع، يظل النشر الديني ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك أخلاقيًا وروحيًا، شريطة إعادة التفكير في طرق تقديمه وأدواته. فالإعلام، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للترفيه أو نقل الخبر، بل فاعل أساسي في تشكيل الوعي العام وصيانة منظومة القيم.

ويطرح هذا الوضع الحاجة الملحة إلى مراجعة دور الإعلام ورسائله، والانفتاح على صيغ جديدة قادرة على إدماج القيم الدينية في خطاب مهني، موضوعي ومواكب لتحولات العصر، دون المساس بجوهرها الإنساني والرسالي.

كما ساهم منطق السوق والإشهار في تعميق هذا التراجع، إذ باتت المؤسسات الإعلامية تُخضع اختياراتها التحريرية لمعادلة الربح ونسب المشاهدة، على حساب المضامين ذات البعد التربوي والقيمي.

 

وفي هذا السياق،لا يُنظر إلى المحتوى الديني بوصفه استثمارًا إعلاميًا مربحًا، رغم أثره العميق وطويل المدى في بناء الوعي الفردي والجماعي، وهو ما أدى إلى تقليص حضوره أو حصره في مناسبات دينية محدودة وخطابات تقليدية لا تواكب التحولات الاجتماعية.

 

وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى مقاربة إعلامية جديدة تعيد الاعتبار للقيم الدينية من زاوية إنسانية واجتماعية شاملة، بعيدة عن الوعظ المباشر أو الخطاب الإقصائي. فإدماج هذه القيم في البرامج الحوارية، والمواد الوثائقية، وحتى الأعمال الدرامية، يمكن أن يشكل مدخلًا فعّالًا لإيصال الرسالة الأخلاقية بلغة العصر.

 

كما يظل تكوين إعلاميين قادرين على الجمع بين المهنية والمعرفة الدينية خطوة أساسية لإعادة التوازن إلى المشهد الإعلامي وتعزيز دوره في تهذيب السلوك وترسيخ القيم المشتركة داخل المجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.