الإسراء والمعراج

تحلّ علينا ليلة الإسراء والمعراج ابتداءً من المغرب يوم الخميس، وهي من أجلِّ الليالي وأعظمها شأنًا في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ اصطفى الله تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ وشرّفه برحلةٍ معجزةٍ تجاوزت حدود الزمان والمكان، فكانت تكريمًا إلهيًا بعد محنة، وتثبيتًا ربانيًا بعد ابتلاء، وجبرًا للخواطر بعد عامٍ من الحزن والألم.

 

في هذه الليلة المباركة، وقعت حادثة الإسراء، في 27 من شهر رجب، حيث أسرى الله بنبيه ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في معجزةٍ باهرةٍ تجلّت فيها القدرة الإلهية المطلقة، كما قال سبحانه وتعالى:

 

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
(سورة الإسراء: الآية 1)

 

وفي رحاب المسجد الأقصى، أمَّ النبي ﷺ صفوف الأنبياء والمرسلين في الصلاة، في مشهدٍ مهيبٍ يجسّد وحدة الرسالات السماوية، ويؤكد مكانة النبي الخاتم ﷺ وقيادته الروحية للبشرية جمعاء.

 

ثم جاءت معجزة المعراج، حيث عُرج بالنبي ﷺ إلى السماوات العلا، حتى بلغ سدرة المنتهى، فرأى من آيات الله الكبرى ما تعجز العقول عن تصوره، كما وصف القرآن الكريم ذلك المشهد الجليل:

 

﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ ۝ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ۝ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ۝ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ۝ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾
(سورة النجم: الآيات 14–18)

 

وكان أعظم ما فُرض في هذه الليلة المباركة هو الصلاة، لتكون صلةً دائمة بين العبد وربه، ومعراجًا روحيًا يتكرر كل يوم، يجد فيه المؤمن السكينة، ويستمد منه القوة والثبات.

 

ولا تقتصر دلالات الإسراء والمعراج على كونها حدثًا تاريخيًا عظيمًا، بل تحمل رسائل خالدة لكل زمان، تؤكد أن مع العسر يسرًا، وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن الله سبحانه لا يخذل عباده الصادقين مهما طال البلاء.

 

ويجوز صيام يوم الإسراء والمعراج تطوعًا، باعتباره عملًا صالحًا يُتقرب به إلى الله، وإحياءً لهذه الذكرى بالعبادة والدعاء، دون أن يكون ذلك فريضة شرعية ملزمة.

 

وتبقى ليلة الإسراء والمعراج محطة إيمانية متجددة، نستحضر فيها معاني اليقين والثبات، ونجدد العهد مع الله، ونتأمل في سيرة النبي محمد ﷺ، بما تحمله من دروسٍ في الصبر، والرحمة، وحسن التوكل على الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.