كشفّت معطيات متطابقة من داخل مصالح الجمارك بميناء بني أنصار عن وضع إداري متأزم، يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسلوب تدبير المدير الجهوي لجمارك الجهة الشرقية، عبد الجليل بنياعيش، في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيرًا على الاقتصاد الوطني ومداخيل الدولة.
وحسب مصادر مهنية، فإن المدير الجهوي اختار التمركز شبه الدائم داخل ميناء بني أنصار، في وقت يشكو فيه باقي أقاليم الجهة الشرقية من غياب شبه كلي لأي زيارات ميدانية أو لقاءات تنسيقية، وهو ما أفرز حالة من الفراغ الإداري وغياب الرؤية الواضحة في تدبير الملفات، وترك عدداً من القضايا العالقة دون تتبع أو حسم.
ويثير هذا الحضور المكثف داخل الميناء، الذي يمتد أحيانًا إلى ساعات متأخرة من الليل وحتى الصباح، الكثير من الجدل، خاصة في ظل غياب أي إطار مؤسساتي لهذا التواجد، حيث تؤكد المصادر ذاتها أن المسؤول الجهوي لا يعقد اجتماعات رسمية مع مسؤولي الميناء، ولا ينسق مع إدارة “مارسا ماروك” أو باقي المتدخلين في السلسلة اللوجستيكية، مكتفيًا بإصدار تعليمات شفوية مفاجئة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى التأطير القانوني الواضح.
وتضيف المعطيات أن هذه التعليمات تنعكس بشكل مباشر على المستوردين وناقلي البضائع، عبر تشديد غير مبرر وتعطيل مساطر العبور والتخليص، ما خلق حالة من التذمر في أوساط الفاعلين الاقتصاديين، الذين وجدوا أنفسهم أمام قرارات متناقضة، لا تستند إلى نصوص تنظيمية واضحة، في وقت يفترض فيه أن تشتغل الجمارك بمنطق التيسير وتبسيط المساطر، دون الإخلال بواجب المراقبة وحماية مالية الدولة.
أما داخل المرفق الجمركي، فقد بلغ الاحتقان مستوى غير مسبوق، حيث تحدث موظفون عن أسلوب تدبير يقوم على الضغط والاستفزاز، وصدور أوامر مباشرة لبعض المفتشين بعدم التقيد بتوجيهات المدير الإقليمي، المعروف بكفاءته وتجربته المهنية، ما اعتُبر مساسًا خطيرًا بمبدأ التسلسل الإداري، وأدخل المصالح في حالة من الارتباك والتناقض في القرارات.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: كيف يتعامل المسؤول الجهوي مع موظفيه؟ وهل يُمكن لقطاع حساس كالجمارك، الذي تعتمد عليه الدول بشكل كبير في تمويل ميزانياتها العامة، أن يُدار بمنطق التعليمات الشفوية وغياب سياسة القرب والحكامة التشاركية؟
مصادر جمركية حذرت من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى شلل فعلي داخل الميناء، ويفتح الباب أمام مخاطر قانونية حقيقية، نتيجة فرض إجراءات قد تُصنّف كتعسفية أو مخالفة للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل، وهو ما قد يضر بصورة الإدارة وثقة المرتفقين فيها.
ويؤكد مهنيون أن المسؤول الجهوي في قطاع استراتيجي من هذا الحجم، يفترض أن يكون على دراية دقيقة بكل تفاصيل العمل الجمركي، وقادرًا على التمييز بين الصرامة اللازمة في مواجهة المخالفات حمايةً لمداخيل الدولة، وبين تبسيط المساطر وتسهيل التجارة المشروعة، في احترام تام للقانون وكرامة الموظفين والمرتفقين على حد سواء.
وأمام هذا الوضع المقلق، تتعالى الدعوات الموجهة إلى الإدارة العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة من أجل التدخل العاجل، وفتح تحقيق جدي ومسؤول في هذه الاختلالات، حمايةً للسير الطبيعي لمرفق حيوي، وصونًا لمبدأ الحكامة الجيدة الذي يفترض أن يؤطر تدبير أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
المصدر: كواليس الريف