غدًا يبدأ شعبان إيذانًا ببدء موسم الطاعات
غدًا يطلّ علينا شهر شعبان، ولا يفصلنا عن رمضان سوى قرابة ثلاثين يومًا، ثلاثون يومًا قد تكون الفاصل بين غفلة ووعي، وبين عادة وعبادة. شعبان ليس شهرًا عاديًا في حياة المؤمن، بل هو شهر الإعداد الصامت، حيث تبدأ القلوب في شدّ رحالها نحو شهر البركة والرحمة والمغفرة.
في هذا الشهر، يكون أول الاستعداد بالصلاة، فهي العمود الذي تُبنى عليه بقية الأعمال. حين يحرص المسلم في شعبان على أداء الصلوات في أوقاتها، ويُكثر من السجود والنوافل، فإنه يهيئ روحه لاستقبال رمضان بقلبٍ اعتاد القرب من الله، لا بقلبٍ مثقل بالتكاسل والانقطاع.
ومع الصلاة، يأتي الذكر ليُعيد للحياة معناها. ذكرٌ يوقظ القلوب من غفلتها، ويُطفئ ضجيج الدنيا في الداخل. في شعبان نُكثر من الاستغفار طلبًا للعفو عمّا مضى، ونلهج بالتسبيح والتحميد، ونُصلّي على النبي محمد ﷺ، حتى تصبح ألسنتنا عامرة بذكر الله، فلا يدخل رمضان علينا ونحن صامتون عن الطاعة.
ولا يمكن أن يكون الاستعداد صادقًا دون القرآن. فشعبان هو شهر فتح المصاحف قبل أن يأتي شهر الختمات. قراءة هادئة، بتدبر وخشوع، تُعيد للآيات أثرها في القلب، وتُمهّد الطريق لعلاقة أعمق مع كتاب الله في رمضان.
أما الصيام في شعبان، فهو تدريب لطيف للنفس، لا مشقة فيه ولا تكلّف، وإنما تقرّب واستعداد. أيام يصومها المؤمن ليُذكّر نفسه بحكمة الصيام، ويُهيئ جسده وروحه لشهر الطاعة.
وفي خضم كل ذلك، تبقى القلوب هي الأساس. في شعبان تُرفع الأعمال، ولا يليق أن تُرفع معها قلوبٌ محمّلة بالحقد أو القطيعة. هو شهر المسامحة، وردّ الحقوق، وإصلاح النفوس، لأن القلب النقي هو وحده القادر على تذوق بركات رمضان.
وهكذا، يمضي شعبان كرسالة تنبيه قبل الدخول إلى موسم الرحمة. من أحسن استقباله، أحسن وداع ذنوبه، ومن غفل عنه، دخل رمضان وهو لا يزال في أول الطريق.