واشنطن تُنهي الغموض: الحكم الذاتي هو السقف السياسي الأخير

بقلم: الأستاذ محمد عيدني

لم يأتِ التحرك الأخير لما يُسمّى بـ«جبهة البوليساريو» نحو الولايات المتحدة في سياق عادي أو معزول، بل تزامن مع لحظة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع تحولات إقليمية عميقة، وتصدعات داخلية غير مسبوقة داخل الجبهة نفسها، وفي علاقتها بالجزائر التي شكّلت لعقود رافعتها السياسية والدبلوماسية.

 

فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن هذا التحرك لم يكن مبادرة سياسية بقدر ما كان انعكاساً لحالة ارتباك عميق، وضغط خارجي متزامن مع انسداد داخلي.

المشهد العام يوحي بأن الجبهة لم تعد تلك الكتلة الصمّاء التي جرى تسويقها لسنوات، بل باتت تعيش انقساماً صامتاً بين جناح يدرك، وإن على مضض، أن موازين القوى تغيّرت وأن منطق الأمر الواقع فرض نفسه، وجناح آخر لا يزال أسير شعارات تجاوزها الزمن، قبل أن ينقلب السحر على الساحر. هذا الشرخ بدأ يطفو إلى السطح مع تراجع قدرة الجزائر على الاستمرار في توفير الغطاء السياسي والدولي الذي كان يسمح بإطالة أمد النزاع دون كلفة.

لقاء تأكيدي لا تفاوضي

اللقاء الذي جمع وفداً انفصالياً بمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى لم يكن، خلافاً لما روّج له بعض الخطاب الدعائي، جلسة استماع أو محاولة لجسّ النبض، بل جاء بطابع تأكيدي واضح وبلهجة لا تخلو من التحذير. فحسب المعطيات المتداولة، تم خلال اللقاء إبلاغ رسائل حاسمة لا تحتمل التأويل، تؤكد أن هذا الملف دخل مرحلة جديدة، جرى فيها القطع مع منطق المراوحة ومع كل الصيغ السابقة التي غذّت الوهم لعقود.

لقد أصبح الإطار السياسي الوحيد المطروح دولياً هو مغربية الصحراء، والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الحل الواقعي والعملي الذي يحظى بدعم متزايد داخل الدوائر الدولية المؤثرة. أما أي حديث خارج هذا الإطار، فلم يعد يحظى بأي قابلية للنقاش أو الوساطة.

من وهم التفاوض إلى واقع التحذير

المؤشرات المتقاطعة تفيد بأن الوفد الانفصالي لم يُستقبل كطرف ندّي أو كحامل لمقترحات بديلة، بل ككيان مطالب أولاً بالاعتراف بالأمر الواقع. وقد وُضع أمام معادلة واضحة: لا نقاش مستقبلي إلا داخل إطار الحكم الذاتي، وخارجه لا حوار ولا غطاء دولي ولا صبر دبلوماسي.

واللافت في هذا التحول أن الرسائل الأمريكية لم تُغلَّف بلغة التوازنات الدبلوماسية التقليدية، بل صيغت بوضوح غير مسبوق، مفاده أن أي استفزاز ميداني أو مناوشات عسكرية أو تحركات “شادّة” لن يتم التساهل معها بعد اليوم، في إشارة صريحة إلى أن الخطاب القديم القائم على خلق التوتر لم يعد مقبولاً ولا محمياً.

الجزائر تحت مجهر المساءلة

الرسائل الصادرة عن هذا اللقاء لم تكن موجهة للبوليساريو وحدها، بل حملت في عمقها إشارات واضحة إلى الجزائر، التي بات يُنظر إليها في دوائر دولية وازنة باعتبارها طرفاً مسؤولاً عن استمرار نزاع مصطنع، وليس كوسيط محايد. فقد تراجع منسوب التعاطف مع الخطاب التقليدي الذي يقدّم النزاع كقضية “تحرر”، مقابل تنامي القناعة بأنه عامل تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي.
وبحسب نفس المعطيات، فقد تم إبلاغ الطرف الانفصالي، بشكل غير مباشر ولكن صارم، أن الجزائر لم تعد قادرة على توفير الغطاء السياسي أو الدبلوماسي لأي تصعيد، وأن أي محاولة لخلط الأوراق أو نقل التوتر إلى الميدان ستكون لها تبعات ثقيلة، سياسية وأمنية وحدودية.

الحكم الذاتي… السقف النهائي

يمكن اختصار الرسالة الجوهرية لهذا اللقاء في عبارة واحدة:

لا حل خارج مغربية الصحراء، ولا نقاش خارج الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هذا التحول لا يعكس موقفاً ظرفياً أو ردّ فعل مؤقتاً، بل هو نتيجة مسار طويل من إعادة ترتيب الأولويات الدولية، حيث لم يعد هناك مجال لتغذية نزاعات مفتعلة أو كيانات وظيفية تقوم على منطق الابتزاز السياسي. وأي عودة إلى لغة التهديد أو استدعاء شعارات تجاوزها الزمن، ستُقرأ اليوم كفعل عدائي صريح، ولن تُقابل بالمرونة التي كانت سائدة في مراحل سابقة.

 

مرحلة حسم بلا هوامش

ما بعد لقاء واشنطن ليس كما قبله. لقد انتهى زمن الغموض، وانتهت مرحلة الخطاب الرمادي، ودخل ملف الصحراء مرحلة الحسم السياسي الواضح:
المغرب ثابت في سيادته.
الحكم الذاتي هو الحل الوحيد الممكن.وأي مساس بالأمن أو بالوحدة الترابية سيُواجه بحزم، مع تحميل المسؤوليات كاملة لمن اختار المغامرة بدل الواقعية.
ختاماً، لم يكن اللقاء فرصة للتفاوض، بل إنذاراً أخيراً، ولم يكن جسّ نبض، بل وضعاً للنقاط على الحروف.

فالسيادة المغربية ليست موضوع نقاش، والحكم الذاتي لم يعد مقترحاً بين مقترحات، بل أصبح السقف النهائي الذي تُبنى عليه أي مقاربة سياسية مستقبلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.