السحاقيات (Les lesbiennes):ظاهرة اجتماعية موجودة وتاريخية

ظاهرة السحاقية، أي الانجذاب العاطفي أو الجنسي بين النساء، ليست جديدة على المجتمعات، لكنها كانت دائما مخفية بسبب الوصم الاجتماعي، الرقابة الدينية، والقيم الأخلاقية التقليدية.

 

تاريخيًا، كان يُنظر إلى العلاقات بين النساء نظرة مريبة، وغالبا ما تُصنَّف ضمن “الانحراف”، لذلك فضّل الكثيرون العيش في صمت.

 

مع مرور الزمن، ومع الانفتاح الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه الظاهرة أكثر وضوحًا، لأن بعض النساء وجدن منصات للتعبير عن أنفسهن ومشاركة تجاربهن، ما أظهر للآخرين أن السحاقية موجودة بالفعل في المجتمع، ولا يمكن إنكارها.

 

أسباب ظهور وانتشار الظاهرة

 

المختصون الاجتماعيون والنفسيون يشيرون إلى مجموعة من العوامل التي قد تسهم في ظهور هذه الظاهرة أو الإفصاح عنها علنًا:

1- التغيرات الثقافية والاجتماعية: انفتاح المجتمعات، التحديث والتعليم، وانتشار ثقافة حقوق الإنسان جعل بعض الأفراد أكثر وعيًا بهويتهم وبحقهم في التعبير عن أنفسهم.

 

2- التأثير الرقمي والإعلامي: وسائل التواصل الاجتماعي تمنح الشباب والنساء مساحة للاطلاع على تجارب الآخرين، ما يقلل من الشعور بالوحدة ويزيد من وعيهم بهويتهم الجنسية.

3-ضعف الرقابة الأسرية والتقليدية: في بعض المجتمعات، تغيرت ديناميكيات الأسرة التقليدية، ما أتاح مساحة أكبر للاستقلالية الشخصية، وإن كان ضمن حدود معينة.

4- الفضول النفسي والاجتماعي: بعض الدراسات النفسية تشير إلى أن التجربة العاطفية أو الفضول الاجتماعي يمكن أن يكون عاملًا في اكتشاف ميول جنسية جديدة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الجميع سيعبر عن هذه الميول علنًا.

 

كيف يمكن المجتمع التعامل مع الظاهرة؟

 

مصطلح “التخلص من الظاهرة” يحتاج إلى تفسير دقيق: من منظور حقوق الإنسان والعلم الاجتماعي، السحاقية ليست مرضًا أو خللًا يجب “إزالته”، بل هي جزء من التنوع الإنساني في الهويات والتوجهات الجنسية. محاولات “القمع” غالبًا ما تؤدي إلى مزيد من الصمت، الكبت النفسي، أو الأذى النفسي والجسدي.

 

بدلاً من “التخلص”، يمكن للمجتمع العمل على:

 

1- التوعية والمعرفة: فتح نقاش علمي، حضاري، ومهني حول التنوع الجنسي، لفهم الظاهرة بدون أحكام مسبقة أو وصم.

2- تعزيز القيم الأسرية والاجتماعية: دعم الأسرة في فهم التحديات النفسية للشباب، دون اللجوء إلى العنف أو العقاب.

3- توفير الدعم النفسي والاجتماعي: إنشاء استشارات مهنية للأفراد الذين يمرون بارتباك هوياتي أو ضغوط مجتمعية.

4- الحوار المتوازن: الجمع بين احترام القيم الدينية والثقافية، وبين حق الفرد في الحفاظ على كرامته وخصوصيته، ما يقلل من الصدام الاجتماعي.

 

ختاما، السحاقية ليست ظاهرة جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحا بسبب الانفتاح الإعلامي والاجتماعي. محاولات “القمع” التقليدية لم تعد فعالة، والفهم الحقيقي للظاهرة يعتمد على التوعية، الحوار، والدعم النفسي والاجتماعي، مع احترام المرجعيات الثقافية والدينية.

 

بمعنى آخر، الحل ليس في “القضاء” على الظاهرة، بل في إدارتها بطريقة تقلل الضرر الاجتماعي والنفسي، وتحمي المجتمع والأفراد معا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.