صلاة التراويح عبر الإذاعة… هل تصحّ الجماعة من البيوت؟
مع حلول شهر رمضان المبارك، وحرص عدد كبير من المواطنين على أداء صلاة التراويح، عاد إلى الواجهة نقاش فقهي يتكرر كل سنة، لكنه يزداد حضوراً مع الانتشار الواسع للبث الإذاعي المباشر لشعائر الصلاة من المساجد الكبرى بالمغرب.
فقد توصلت مؤسسة مجموعة أصوات ميديا باتصالات من مواطنين يتساءلون عن الحكم الشرعي لصلاة التراويح من داخل البيوت، اقتداءً بإمام يُنقل صوته مباشرة عبر الإذاعة المغربية، رغم البعد الجغرافي عن المسجد وعدم اتصال الصفوف.
هذا السؤال، الذي يعكس حرصاً صادقاً على صحة العبادة، يطرح إشكالاً فقهياً دقيقاً يستوجب التوضيح العلمي الرصين، بعيداً عن التأويلات الفردية أو الأحكام المتداولة دون سند فقهي واضح.
فصلاة الجماعة في الفقه الإسلامي ليست مجرد متابعة صوت الإمام، بل عبادة لها شروط وضوابط دقيقة، من بينها اتحاد المكان أو ما يقوم مقامه، وإمكان الاتصال بين الإمام والمأمومين، وعدم وجود فاصل كبير يمنع حقيقة الاقتداء.
ويرى جمهور الفقهاء، قديماً وحديثاً، أن الاقتداء بالإمام عبر وسائل الإعلام، كالراديو أو التلفاز، لا تتحقق به الجماعة الشرعية، لأن المصلّي يوجد في مكان منفصل تماماً عن الإمام وعن صفوف المصلين، وهو ما يخلّ بشرط معتبر في صحة صلاة الجماعة. وبناءً على هذا الرأي، فإن من يصلي في بيته متابعاً البث الإذاعي لصلاة التراويح، فإن صلاته صحيحة من حيث الأداء، لكنها تُعد نافلة فردية، لا صلاة جماعة.
عدد من العلماء المعاصرين والهيئات العلمية أكدوا أن الاستماع إلى صلاة التراويح عبر الإذاعة أمر محمود من حيث التدبر والخشوع، لكنه لا يُجيز الاقتداء بالإمام بنية الجماعة. كما حذّروا من أن فتح هذا الباب قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى إضعاف روح الجماعة في المساجد، وإفراغ الصلاة الجماعية من بعدها الاجتماعي والروحي الذي قصده الشرع.
وفي السياق المغربي، حيث يُعتمد المذهب المالكي، يؤكد فقهاؤه أن الأصل في صلاة التراويح هو أداؤها جماعة في المسجد لمن استطاع، أو فرادى في البيت لمن تعذر عليه ذلك، دون ربطها بالبث المباشر أو محاولة محاكاة الجماعة عن بُعد. أما الرخص التي طُرحت في فترات استثنائية، كحالات الطوارئ الصحية، فقد كانت مرتبطة بظروف خاصة ولا يمكن القياس عليها في الأحوال العادية.
ويرى متتبعون أن تكرار مثل هذه الأسئلة يعكس حاجة حقيقية إلى مزيد من التواصل بين العلماء والمؤسسات الدينية من جهة، ووسائل الإعلام من جهة أخرى، قصد تبسيط الأحكام الشرعية وتقديمها للرأي العام بلغة واضحة ومسؤولة، تحترم ذكاء المواطن وتراعي حرصه على صحة عبادته.
وفي انتظار توضيح رسمي أو فتوى مؤسساتية جامعة، يبقى الثابت عند جمهور العلماء أن صلاة التراويح عبادة جليلة، أساسها الإخلاص والخشوع، وأن أداءها في البيت بنية النافلة أفضل من ربطها باقتداء غير متحقق الشروط، لأن صحة العبادة مقدّمة على شكلها، والطمأنينة في الدين مقصد لا يتحقق إلا بالعلم والبيّنة.
الحلقة: 1