من يضلل الرأي العام؟ حين يتحول النقد إلى تصفية حسابات سياسية

عبد الكريم زهير

شهدت الساحة المحلية نقاشاً متجدداً عقب نشر مقال ينتقد أداء النواب البرلمانيين، حيث أعاد الموضوع تسليط الضوء على وضعية المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة وأثار تساؤلات بشأن واقع القطاع الصحي بالإقليم. ويظل تناول هذا الملف حقاً مشروعاً يعكس اهتمام الرأي العام بقضايا الصحة وحرصه على تحسين جودة الخدمات.

 

أول ما يسجل على المادة موضوع الجدل هو الخلط بين مستويات الاختصاص. فالنواب يمارسون أدوارهم الرقابية والتشريعية داخل المؤسسة البرلمانية، في حين يخضع تدبير المستشفيات، وتخصيص الميزانيات، والتعيينات الإدارية، لسلطة تنفيذية مركزية وجهوية تمثلها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية. تصوير الأزمة وكأنها نتيجة مباشرة لعدم “اتحاد” النواب يبسط منظومة تدبيرية معقدة، ويوحي بمسؤولية تنفيذية لا يملكونها قانونا.

 

كما اعتمد المقال لغة توصيفية مشحونة من قبيل “كارثي”، دون إسنادها إلى معطيات رقمية موثقة. فلا أرقام حول الخصاص في الأطر الطبية وشبه الطبية، ولا مقارنة بين الطاقة الاستيعابية للمستشفى والحاجيات الديمغرافية للإقليم، ولا إحالة إلى تقارير رقابية رسمية. هذا الفراغ المعطياتي يضعف الحجة، ويحول النص من مادة إخبارية تحليلية إلى رأي تعبوي يفتقر إلى سند موضوعي.

 

ويلاحظ أيضا انتقائية في عرض المواقف؛ إذ جرى التركيز على تفاعل نائب بعينه، مقابل إبراز جواب عفوي لنائب آخر، دون تقديم السياق الكامل أو إتاحة المساحة ذاتها لباقي المعنيين. المهنية الصحفية تقتضي تكافؤ العرض، والفصل الواضح بين الخبر والتعليق، تفاديا لإنتاج انطباع موجه قد يفهم باعتباره تصفية حسابات أكثر منه مساءلة موضوعية.

 

الأهم أن المقال يقترب من شخصنة الأزمة عبر الإيحاء بمسؤولية مباشرة لإدارة المستشفى، متجاهلا أن أي إدارة محلية تشتغل ضمن سقف موارد وصلاحيات تحددهما الوزارة الوصية.

 

فالخصاص في التجهيزات أو الموارد البشرية غالبا ما يرتبط ببرمجة مركزية وخريطة صحية وطنية، لا بقرار فردي داخل المؤسسة. مساءلة الأداء حق مشروع، لكن ربط الخلل البنيوي بأشخاص دون تفكيك سلسلة القرار يفقد النقاش عمقه ويختزله في أبعاد شخصية.

 

أما إحالة المرضى إلى الدار البيضاء لتلقي علاجات تخصصية، فهي مسألة تستدعي مساءلة السياسات العمومية في بعدها الوطني والجهوي: كيف توزع الموارد؟ ما أولويات الاستثمار الصحي؟ وما مدى تنزيل مبدأ العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية؟ هذه الأسئلة توجه أساسا إلى الجهة التي تملك القرار التنفيذي والميزانياتي.

 

إن الدفاع عن حق الساكنة في العلاج لا يتعارض مع الدفاع عن دقة الخطاب الإعلامي. فالقضية تتجاوز السجال السياسي أو الضغط الظرفي؛ إنها مسألة بنية وتخطيط وتمويل وحكامة.

 

والنقاش الرصين هو الذي يضع كل مسؤول أمام صلاحياته الفعلية، ويستند إلى المعطيات، ويتجنب الشخصنة.

 

بذلك فقط يمكن تحويل الغضب المشروع إلى مسار إصلاحي فعال يخدم المواطن، ويصون في الوقت ذاته سمعة المؤسسات والأطر العاملة بها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.