السياسة الموسمية تتجسد في شوارع تيفلت

متابعة- لبنى المعلوم

احتضنت مدينة تيفلت مؤخراً مؤتمراً إقليمياً لشبيبة أحد الأحزاب السياسية، في مشهد بات مألوفاً في هذه المرحلة بالذات. فعلى امتداد فضاءات المدينة وأزقتها، عادت اللافتات الحزبية وعادت معها الوجوه التي طال غيابها، تجوب الأسواق وتحضر المجالس وتستمع إلى المواطنين كأن شيئاً ما قد تغير.

والواقع أن شيئاً واحداً فقط هو الذي تغير: اقترب موعد الانتخابات.

هذا الحضور المتجدد لا يقتصر على حزب بعينه، إذ تنهج جملة من الأحزاب السياسية المسار ذاته، مستهدفةً بشكل لافت فئة الشباب، تلك الفئة التي لا تغيب عن الخطاب الرسمي يوماً، لكنها نادراً ما تجد أثراً لذلك الخطاب على أرض الواقع.

المواطن التيفلتي يستقبل هذه الزيارات بذاكرة حية. يجلس، يسمع، يُسأل عن احتياجاته، ويُقدَّم له برنامج طموح، ثم يتوقف لحظة ليتذكر أنه سمع هذا البرنامج من قبل، بل ربما بالصياغة ذاتها، في انتخابات سابقة لم يتحقق منها شيء يُذكر على أرض الواقع.

ومع ذلك يبتسم، ويومئ، وربما يصفق، لأن الأمل آخر ما يموت، أو لأن الخيارات المتاحة أمامه ضيقة على أي حال.

ما يجري في تيفلت ليس حالة استثنائية، بل هو تعبير محلي عن ظاهرة وطنية راسخة يمكن تسميتها بالسياسة الموسمية، تلك الممارسة التي تحصر علاقة الحزب بالمواطن في فترة ما قبل الاقتراع، لتتحول بعده إلى علاقة بيروقراطية باردة في أحسن الأحوال، وإلى غياب تام في أغلب الأحيان.

والأخطر في هذه الدورة المتكررة أنها تُنتج مع كل استحقاق جرعة إضافية من انعدام الثقة، تتراكم في وجدان المواطن حتى تتحول إلى عزوف، ثم إلى لامبالاة، ثم إلى احتقار هادئ لكل ما هو سياسي.

أما استهداف الشباب تحديداً فهو رهان ديموغرافي مفهوم، غير أنه رهان محفوف بمخاطر من نوع خاص. فالشاب الذي يُستقطب اليوم بخطاب الأمل والتغيير، ويجد نفسه غداً أمام الوعود ذاتها التي لم تتحقق، لن يكتفي بالصمت كما فعلت أجيال سابقة. جيل اليوم أكثر اتصالاً بالمعلومة وأقل قابلية للترويض، وإذا لم تجد الأحزاب ما تقدمه غير إعادة تدوير البرامج القديمة بأوجه شابة، فإنها ستخسر هذا الرهان لا محالة.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مواطن على كل من يزوره طالباً صوته بسيط ومشروع: ماذا وعدتَ به في الدورة الماضية وماذا أنجزتَ؟ ليس سؤالاً عدائياً، بل هو الحد الأدنى من المساءلة الديمقراطية التي تبدأ قبل صندوق الاقتراع لا بعده.
تيفلت اليوم مرآة.

ما يُرى فيها يتوقف على من ينظر وبأي عيون. يراها البعض فرصة للتجديد وإعادة بناء الثقة، ويراها آخرون تكراراً لمسرحية تُعاد كل سنوات دون أن يتغير النص.

والفيصل الحقيقي ليس ما يُقال في المؤتمرات، بل ما سيحدث في الأيام التي تلي يوم الانتخاب، حين تخلو المنابر وتعود الوجوه إلى غيابها المعتاد، أو تبقى لتُثبت أن هذه المرة مختلفة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.