يشهد المشهد الإداري بعمالة سطات في الآونة الأخيرة حركية غير مسبوقة، توحي بأن الأمور تجاوزت حدود “الإجراءات الروتينية” إلى ما يشبه العدّ العكسي لمرحلة جديدة عنوانها الأبرز ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالتقارير الصادرة عن لجان التفتيش لم تكتفِ برصد اختلالات معزولة، بل كشفت عن ممارسات مقلقة داخل بعض المصالح، من شطط في استعمال السلطة إلى تراجع جودة الخدمات الإدارية، بما لا ينسجم مع تطلعات دولة الحق والقانون.
هذه المعطيات أعادت إلى الواجهة إشكالية أعمق تتعلق بتحول بعض السلوكات إلى نهج ممنهج لدى فئة من المسؤولين، الذين تعاملوا مع الإدارة وكأنها مجال خاص لتوزيع الامتيازات وفق العلاقات والمصالح، بدل الالتزام بقواعد الشفافية وتكافؤ الفرص. كما برزت مظاهر “الاستقواء” بنفوذ مفترض لتفادي المساءلة، في تجاوز واضح للقانون ولمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
في هذا السياق، تبدو الرسالة الرسمية حازمة: مرحلة التساهل تقترب من نهايتها، والقرارات المرتقبة قد تشمل إعفاءات فورية، وإجراءات تأديبية، وربما متابعات قضائية في حق المتورطين. وتأتي هذه الدينامية في توقيت حساس، قبيل الاستحقاقات المقبلة، ما يعزز الرهان على تخليق الحياة العامة وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات.
وسط هذه التطورات، يطرح سؤال محوري نفسه بقوة هل ستكون مدينة سطات ضمن لائحة المناطق المعنية بهذه الإجراءات؟ وهل ستشهد فعلاً عملية إصلاح عميقة تعيد الاعتبار للمرفق العمومي، أم أن شبكات النفوذ ستتمكن مرة أخرى من الالتفاف على مسار المحاسبة؟
في المقابل، تبرز نماذج إدارية يُشار إليها بالإيجابية، من قبيل عامل الإقليم مولاي علي حبوها، الذي راكم تجربة ميدانية واسعة في تدبير الشأن الترابي، ويُعرف بشعاره القائم على خدمة الوطن ومحاربة الفساد الإداري. إلى جانبه، يُذكر الكاتب العام محمد الوهابي، الذي ساهم في معالجة ملفات إدارية عالقة، مع اعتماد مقاربة قائمة على الانفتاح والتواصل مع المواطنين.
كما يُنوه بدور باشا المدينة، بومهراز هشام، الذي يعتمد العمل الميداني كخيار أساسي، من خلال تتبع أوضاع الأحياء والاستجابة لمطالب الساكنة، بعيداً عن منطق التدبير المكتبي المغلق.
في النهاية، يبقى المطلب الشعبي بسيطاً وواضحاً: إدارة عمومية تحترم كرامة المواطن، وتقدم خدمات في مستوى انتظاراته. أما من اختار نهج الفساد واستغلال السلطة، فإن المرحلة القادمة قد لا تترك له سوى خيارين: مغادرة موقع المسؤولية أو مواجهة المساءلة القانونية.
وبين هذا وذاك، تظل الأنظار موجهة إلى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، في اختبار حقيقي لمدى قدرة الإدارة على تجديد نفسها، وترسيخ دولة المؤسسات كما ينشدها الجميع.