المراسل المجهول.. خطر صامت يضرب مصداقية الإعلام

map media

بقلم:الاستاد محمد عيدني فاس

تكشف بعض الممارسات التي بدأت تظهر داخل المشهد الإعلامي الرقمي عن إشكال مهني يستحق النقاش الجاد،يتعلق بكيفية منح صفة المراسل داخل بعض المنابر الإلكترونية،في ظل حالات يبدو فيها أن هذه الصفة أصبحت تمنح أحياناً دون تدقيق كافٍ في هوية الشخص،أو تكوينه، أو تجربته الحقيقية،أو علاقته التنظيمية والتحريرية بالمؤسسة التي يفترض أن يمثلها.
ولا يتعلق الأمر بتوجيه الاتهام إلى الصحفيين أو المراسلين المهنيين الذين يؤدون مهامهم بمسؤولية،وإنما بطرح سؤال مشروع حول ضرورة حماية مهنة الصحافة من بعض الممارسات التي قد تسيء إلى صورتها، وتفتح الباب أمام أشخاص لا يتوفرون على الحد الأدنى من التأهيل المهني أو التأطير المؤسساتي.
فكيف يعقل أن يتحول شخص،بمجرد أن يقول إنه سبق له الاشتغال في جريدة إلكترونية أو يملك بعض التجربة في المجال،إلى مراسل يتواصل باسم مؤسسة إعلامية مع مسؤولين ومنتخبين وإدارات ومؤسسات عمومية،دون أن تكون هناك آلية واضحة للتحقق من صفته ومن الجهة التي كلفته بهذه المهمة؟
المراسل ليس اسماً في بطاقة،وليس مجرد صفة تكتب أمام الاسم، وإنما هو امتداد للمؤسسة الإعلامية التي يمثلها.
هذه القاعدة المهنية تبدو بسيطة،لكنها في الواقع تحمل مسؤولية كبيرة. فحين يتوجه المراسل إلى مسؤول عمومي أو مؤسسة إدارية أو أمنية أو منتخبة، فإنه لا يتحرك باسمه الشخصي فقط،بل يُفترض أنه يحمل اسم المؤسسة الإعلامية وخطها التحريري ومصداقيتها.ولذلك فإن أي سلوك غير مهني أو تصريح غير مسؤول قد تكون له انعكاسات مباشرة على صورة المؤسسة التي يمثلها.
المشكلة تبدأ عندما يغيب التأطير.
فبعض المؤسسات الإعلامية قد تمنح صفة المراسل دون عقد لقاء مهني حقيقي مع الشخص،ودون الاطلاع بشكل جدي على مستواه الدراسي أو تكوينه أو تجربته،ودون إخضاعه لأي تأطير يتعلق بأخلاقيات المهنة وقواعد جمع الأخبار والتحقق منها وصياغة المواد الصحفية واحترام الحياة الخاصة وحقوق الأشخاص.
والأخطر أن بعض هؤلاء قد يجدون أنفسهم أمام مسؤولين كبار،يتحدثون باسم مؤسسة إعلامية، ويطلبون المعلومات أو التوضيحات أو التصريحات، بينما قد لا يكون المسؤول نفسه على علم دقيق بما إذا كان الشخص يمثل المؤسسة فعلاً أو يتحرك بمبادرة شخصية.
وهنا تبرز مسؤولية الطرفين معاً: المؤسسة الإعلامية التي تمنح الصفة، والمسؤول الذي يتعامل مع من يقدم نفسه بصفته مراسلاً.
إن احترام الصحافة يبدأ من احترام صفتها المهنية.
ولا يمكن أن نطلب من المسؤولين والمؤسسات العمومية التعامل مع الصحافة بمهنية،بينما نترك في المقابل الباب مفتوحاً أمام أشخاص مجهولي الصفة أو غير مؤطرين أو غير معروفين لدى المؤسسات التي يقولون إنهم يمثلونها.
فالصحافة ليست مجالاً مفتوحاً لمن يريد البحث عن الشهرة أو العلاقات أو الظهور، وليست وسيلة للوصول إلى المسؤولين،كما أنها ليست منصة لصناعة “البوز” بأي ثمن.
الخط التحريري مسؤولية قبل أن يكون شعاراً.
ومن بين الإشكالات التي تستحق التوقف عندها أن بعض المراسلين قد لا يعرفون أصلاً الخط التحريري للمؤسسة التي يعملون معها،ولا طبيعة توجهها المهني، ولا قواعدها الداخلية،ولا الجهة التي ينبغي الرجوع إليها قبل نشر مادة حساسة أو التواصل مع مسؤول باسم المؤسسة.
وهذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة،لأن المؤسسة قد تجد نفسها أمام مادة صحفية أو تصريح أو مراسلة لم تكن الإدارة على علم بها،أو أمام موقف نُسب إليها دون موافقتها.
ومن هنا فإن العلاقة بين الإدارة والمراسل ينبغي أن تكون واضحة ومبنية على المسؤولية والتنسيق.فالمراسل ليس مؤسسة مستقلة داخل المؤسسة، ولا يمكنه أن يتحرك باسمها دون ضوابط مهنية واضحة،خصوصاً في الملفات الحساسة أو القضايا التي تتطلب تدقيقاً ومراجعة تحريرية.
المسؤولية تبدأ من المؤسسة الإعلامية
أرباب المقاولات الصحفية ومديرو المواقع الإلكترونية مطالبون اليوم بإعادة النظر في طريقة اختيار المراسلين ومنحهم الصفات المهنية.
فليس المطلوب إغلاق الأبواب أمام الشباب أو منع الطاقات الجديدة من دخول المجال الإعلامي، بل المطلوب هو فتح المجال أمامهم بطريقة منظمة ومهنية، من خلال التكوين والتأطير والتدريب والمواكبة،حتى يصبح المراسل قادراً على أداء مهمته وفق قواعد واضحة.
كما أن المؤسسة الإعلامية مطالبة بمعرفة مراسليها معرفة حقيقية،والتأكد من مستواهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية،ووضع نظام داخلي يحدد طبيعة مهامهم وحدود تحركهم،والجهة التحريرية التي يرجعون إليها.
ومن المهنية أيضاً أن تكون للمؤسسة قاعدة بيانات داخلية تتضمن أسماء مراسليها المعتمدين،ومناطق اشتغالهم،وطبيعة مهامهم،وأن يكون هناك تواصل مستمر بين الإدارة وهيئة التحرير والمراسلين.
فلا يعقل أن تكتشف المؤسسة،بعد وقوع مشكلة،أن شخصاً كان يتحرك باسمها منذ أشهر أو سنوات دون أن تكون الإدارة على معرفة دقيقة بما يقوم به.
التكوين ليس ترفا
إن الحديث عن التكوين الصحفي لا يعني إقصاء من لا يحمل شهادة متخصصة، لأن تاريخ الصحافة عرف تجارب عديدة لصحفيين راكموا خبرات مهمة من خلال الممارسة والتكوين المستمر.
لكن ذلك لا يعني أيضاً أن باب المهنة يمكن أن يصبح مفتوحاً أمام أي شخص دون تأهيل أو معرفة أو تأطير.
المطلوب هو تحقيق التوازن بين الخبرة الميدانية والتكوين الأكاديمي والتدريب المهني، مع التأكيد على أن الصحفي يحتاج إلى معرفة بالقواعد الأساسية للعمل الصحفي،من بينها التحقق من الأخبار،وتعدد المصادر، والتمييز بين الخبر والرأي،واحترام قرينة البراءة،وتجنب التشهير، واحترام الحياة الخاصة،وعدم نشر المعطيات غير الموثوقة.
فالشهادة وحدها لا تصنع صحفياً، كما أن التجربة وحدها لا تبرر غياب التكوين والتأطير.
المسؤولون أيضاً مطالبون بالتحقق
وفي الجهة المقابلة،فإن المسؤولين العموميين والمنتخبين ومديري المؤسسات والإدارات مطالبون هم أيضاً بالتحقق من هوية وصفة من يمثل أي منبر إعلامي.
ليس من المقبول أن يصبح أي شخص قادراً على تقديم نفسه باعتباره مراسلاً لمؤسسة إعلامية دون التأكد من ذلك.
ويمكن للمؤسسات العمومية، عند الحاجة، اعتماد قنوات واضحة للتأكد من الصفة المهنية،سواء من خلال التواصل مع إدارة المنبر الإعلامي أو طلب تكليف واضح بالمهمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأنشطة رسمية أو ملفات حساسة.
وهذا الإجراء لا ينبغي أن يفهم على أنه تضييق على الصحافة أو عرقلة لعملها، بل هو حماية للجميع:حماية للمسؤول من التعامل مع أشخاص غير معروفين الصفة،وحماية للمؤسسة الإعلامية من أي تصرف فردي،وحماية للصحفي المهني من أن تختلط صفته بأشخاص لا علاقة لهم بالمهنة.
من أجل استعادة هيبة المهنة
إن المشهد الإعلامي المغربي يحتاج اليوم إلى نقاش صريح حول مستقبل الصحافة الإلكترونية،خصوصاً بعدما أصبحت المنابر الرقمية جزءا أساسياً من الحياة العامة.
فالانتشار الكبير للمواقع الإلكترونية لا ينبغي أن يكون على حساب الجودة والمهنية.
ولا يمكن أن نقيس قوة المؤسسة بعدد المراسلين الذين تحمل أسماؤهم صفاتها، وإنما بمستوى الأخبار التي تنتجها،ومصداقية مصادرها،واحترامها للقواعد المهنية،وقدرتها على تقديم إعلام مسؤول يخدم المجتمع ويضع المصلحة العامة فوق البحث عن الإثارة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة هو أن تتحول الصفة المهنية إلى وسيلة للولوج إلى المسؤولين، أو بناء العلاقات، أو صناعة المحتوى المثير، أو تحقيق الانتشار على حساب الحقيقة.
فالصحفي الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض صفته،وإنما تثبت مهنته من خلال عمله.
والمراسل الحقيقي لا يقاس بعدد المسؤولين الذين يعرفهم،ولا بعدد الصور التي يلتقطها معهم،وإنما بقدرته على نقل المعلومة بدقة،وطرح الأسئلة المهنية،والتحقق من المعطيات،واحترام المؤسسة التي يمثلها.
المطلوب ليس المزيد من حاملي الصفة،بل المزيد من المهنيين.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تفرض على المقاولات الإعلامية أن تكون أكثر صرامة في اختيار مراسليها،وأكثر حرصاً على تكوينهم وتأطيرهم،وألا تمنح أي صفة إلا بعد التأكد من أهلية صاحبها ومعرفته بالمؤسسة وخطها التحريري وقواعدها المهنية.
كما أن على المراسل نفسه أن يدرك أن تمثيل مؤسسة إعلامية مسؤولية، وليس امتيازاً.
إن حماية الصحافة تبدأ من داخلها.وعندما تضبط المؤسسات الإعلامية صفوفها، وتعرف مراسليها،وتؤطرهم، وتراقب جودة عملهم،وتحاسب من يتجاوز حدود مهمته،فإنها تساهم في إعادة بناء الثقة بين الإعلام والمجتمع والمؤسسات.
أما ترك الباب مفتوحاً أمام كل من يرغب في حمل صفة “مراسل”،دون تكوين أو تأطير أو تكليف واضح،فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الخلط، وقد يجعل بعض المسؤولين ينظرون إلى الصحافة بعين الشك،وهو أمر لا يخدم الصحفي المهني ولا المؤسسة الإعلامية ولا المجتمع.
فالصحافة ليست لمن يبحث عن صفة، وإنما لمن يستحق مسؤولية حملها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.