كان يشم “الميكة” القاتلة… لأن داخله كان يصرخ بصمت

-متابعة-عبد الكريم زهير

 

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اللهم ارزقنا بصيرة ترى الإنسان قبل خطئه، وقلبا لا يحتقر عبدا من عبادك، وارزقنا رحمة تداوي بها أرواحنا قبل أجسادنا.

بينما كنت أشتغل في مكتبي الفقير، سمعت صوتا مرتفعا خارج المركز؛ كان حوارا حادا بين شاب وزوجتي الكريمة، حفظها الله، وجعلني من المعترفين بفضلها وصبرها وجميل سترها.

خرجت بهدوء، فإذا بشاب في مقتبل العمر، لم أكن أعرف سنه حينها، لكنني علمت لاحقا أنه يبلغ الواحدة والثلاثين من عمره.
كان يحمل في يده ما يسمى عندنا بـ“الميكة”، تلك القطعة الصغيرة التي قد تختصر أحيانا قصة انهيار كاملة بما تحتويه من سم مخدر قاتل.

كان يرتدي لباسا أنيقا من الماركات الرفيعة التي يظن كثير من الناس أنها دليل نجاح واكتمال، لكن العين التي اعتادت أن ترى تعب الأرواح كانت تدرك أن وراء تلك الأناقة إنسانا يتألم بصمت.

سألني قائلا:
— ماذا تعالجون في هذا المركز؟

ابتسمت بهدوء وقلت:
— هنا نحاول أن نعالج الروح.

توقف قليلا، وكأن العبارة باغتته، ثم قال وهو يستنشق تلك “الميكة” القاتلة:
— وما علاج الروح؟

قلت:
— أن يعود الإنسان إلى إنسانيته بعد أن يخرج منها دون أن يشعر.

نظر إلي طويلا، ثم قال بصوت خافت:
— وأنا أريد أن تعالجني من هذه المصيبة.

قلت له بلطف:
— لكن عليك أن تأتي بولي أمرك.

فأجاب بعنف خفيف يخفي هشاشة كبيرة:
— أنا لست طفلا.

قلت له:
— صحيح، أنت لست طفلا، لكنك صغير.

تغير وجهه، واحمرت عيناه، وقال بصوت مرتفع:
— أنا لست صغيرا!

فقلت له بابتسامة عطف لا ابتسامة انتصار:
— أنت صغير لأنك استصغرت نفسك حتى رضيت لها أن تنزل إلى هذا المستوى من الإهانة الداخلية.

فسكت الشاب الأنيق، ولأول مرة بدا وكأن الكلمات لم تصطدم بأذنه فقط، بل وصلت إلى شيء عميق بداخله.

ثم حاول أن يستنشق “الميكة” مرة أخرى، فقلت له بحزم هادئ:
— إن لم تتوقف فلن أستقبلك داخل مركزي الفقير.

فتوقف، ثم قال:
— افتح الباب.

قلت:
— بشرط أن تتوقف عن شم “الميكة” القاتلة.

ففتحت له الباب… ولعل بعض الأبواب لا تفتح بالمفاتيح، بل بالشعور أن هناك من لا يزال يرى فيك إنسانا رغم كل شيء.

دخل وجلس، ثم بدأ يبكي.
وحينها انتبهت إلى أن جزءا من ملابسه ممزق. وكان بكاؤه هذه المرة ليس بكاء مدمن فقط، بل بكاء إنسان تعب من تمثيل القوة.

قال لي وهو يحاول تبرير نفسه:
— أنا لست فقيرا ماديا.

ثم بدأ يعدد ممتلكاته: ساعته الفاخرة، وخواتمه الفضية الأصيلة، وهاتفه الغالي، وملابسه الراقية، وعمله في دولة أخرى…

كان يظن، مسكينا، أن القيمة تقاس بما يلبسه الإنسان، بينما الحقيقة أن الإنسان قد يملك الدنيا كلها، لكنه ينهزم أمام فراغه الداخلي.

والغريب أنه كان يقسم بالله العظيم أنه يصلي، وأنه يريد الإقلاع، وأنه في كل مرة يحاول يعود من جديد.

وهنا فهمت أمرا عظيما:
أن المعركة الحقيقية في هذا الزمن لم تعد دائما بين صالح وطالح بالصورة السطحية التي يتخيلها البعض، بل أصبحت أحيانا معركة داخل الإنسان نفسه؛ روح تريد الله الحنان المنان، ونفس منهكة تبحث عن أي مخدر يطفئ صراخها الداخلي.

ذلك الشاب لم يكن محتاجا فقط إلى علاج من “الميكة” البئيسة، بل كان محتاجا إلى من يذكره أنه ما زال يملك قيمة أبعد من هاتفه، وأغلى من ساعته، وأعمق من مظهره.

في هذا الزمن، كثير من الناس يلبسون الفخامة، لكن أرواحهم تمشي حافية، وعقولهم جائعة، تستعمرها جيوش الهوى وجبابرة النفس.
وكثير منهم يضحكون أمام الناس، بينما الداخل يصرخ بصمت.

لقد علمني ذلك الشاب درسا عجيبا:
أن بعض البشر لا يحتاجون دائما إلى محاضرة طويلة، بل يحتاجون فقط إلى باب لا يغلق في وجوههم، وقلب لا يحتقر سقوطهم، وشخص يراهم بعين الرحمة لا بعين الاشمئزاز.

فالإنسان قد يسقط، لكن أخطر أنواع السقوط أن يقتنع أنه لم يعد يستحق النهوض.

ولذلك فإن أعظم علاج للروح ليس فقط أن نمنعها من الخطأ، بل أن نعيد إليها شعورها بأنها ما زالت جديرة بالقرب من الله الكريم الرحيم، وجديرة بالحياة، وجديرة بالكرامة. وذلك رزق من الله عز وجل يؤتيه من يشاء.

الدروس والعبر من القصة:

* لا يمكن الحكم على الناس من مظهرهم الخارجي فقط.
* الإدمان غالبا ما يكون صرخة ألم داخلي قبل أن يكون انحرافا سلوكيا.
* الرحمة قد تفتح أبوابا تعجز القسوة عن فتحها.
* الإنسان يحتاج أحيانا لمن يسمعه ويفهمه أكثر من حاجته إلى التوبيخ.
* القرب من الله والاحتواء النفسي من أعظم أسباب التعافي والنجاة.
* أخطر ما يواجهه الإنسان أن يفقد احترامه لنفسه وشعوره بقيمته.

من مكتبه الفقير بالجديدة المحروسة – المغرب
بقلم: عبدالعزيز إدريوة بن عمر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.