بلغت مظاهر الابتذال على منصات التواصل الاجتماعي مستويات مقلقة،بعدما تحولت بعض الحسابات إلى فضاءات تستثمر في الإثارة والمشاهد الصادمة،بحثا عن المشاهدات والمتابعين وتحقيق عائدات مادية،في مشهد يطرح أسئلة حقيقية حول حدود الحرية والمسؤولية الأخلاقية والقانونية في الفضاء الرقمي. ولم تعد بعض المحتويات التي يتم تداولها عبر منصات مثل«تيكتوك»و«إنستغرام» و«فيسبوك»مجرد حالات معزولة،بعدما أصبح السعي وراء الشهرة السريعة و«البوز» يدفع بعض صناع المحتوى إلى تجاوز حدود الذوق العام والحياء،واستعمال صور ومقاطع مثيرة للجدل من أجل رفع نسب المشاهدة واستقطاب الإعلانات وتحقيق الأرباح. والأخطر من ذلك أن بعض هذه الممارسات أصبحت تقدم أمام الجمهور،وخصوصاً فئة الشباب والأطفال،باعتبارها نموذجاً للنجاح والشهرة،في حين أن مضمونها قد يساهم في تكريس التفاهة وإضعاف منظومة القيم والمسؤولية داخل المجتمع. إن انتقاد هذه الظاهرة لا يعني بأي حال من الأحوال تحميل النساء وحدهن مسؤولية ما يحدث،فالمسؤولية تشمل كل من يساهم في إنتاج المحتوى المسيء أو ترويجه أو تحقيق الأرباح من ورائه،سواء كان رجلاً أو امرأة.كما أن المرأة التي تختار تقديم محتوى محترم وهادف لا ينبغي أن تتحمل تبعات سلوك فئة محدودة من صناع المحتوى. ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة والمؤسسات المختصة في التعامل مع هذه الظاهرة وفق القانون،بعيداً عن الانتقائية أو التعميم،وذلك من خلال مراقبة المحتويات التي تتضمن مخالفات واضحة،ومحاربة الابتزاز والتشهير واستغلال الصور الخاصة،وحماية القاصرين من المحتويات غير المناسبة، مع احترام الحقوق والحريات التي يكفلها القانون. كما تتحمل منصات التواصل الاجتماعي نفسها مسؤولية مهمة في الحد من انتشار المحتويات المخلة بالآداب العامة،خصوصاً عندما تتحول الخوارزميات إلى وسيلة لمضاعفة انتشار المحتوى المثير على حساب المحتوى الجاد والهادف. إن معركة المجتمع اليوم ليست ضد التكنولوجيا ولا ضد حرية التعبير،وإنما ضد تحويل الفضاء الرقمي إلى سوق مفتوحة للتفاهة والإثارة والابتزاز.فحرية التعبير مسؤولية، والشهرة ليست ترخيصاً لتجاوز القوانين،وتحقيق الأرباح لا يمكن أن يكون مبرراً للمساس بكرامة الآخرين أو الإضرار بالقيم العامة. لقد أصبح من الضروري فتح نقاش مجتمعي جاد حول مستقبل المحتوى الرقمي، وتشجيع الإعلام الهادف والمحتوى المسؤول،وتفعيل القوانين عند وجود مخالفات،حتى لا يتحول البحث عن «البوز» إلى وسيلة لتطبيع الابتذال وجعل السلوكيات المسيئة أمراً عادياً في الحياة اليومية. فالفضاء الرقمي مرآة للمجتمع، وما ينشر فيه اليوم يساهم في تشكيل وعي الأجيال غداً. ولذلك فإن حماية القيم والكرامة والاحترام مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والدولة والمنصات الرقمية،قبل أن يصبح منطق المشاهدات والأرباح هو الحاكم الوحيد للمشهد