تأجيج أزمة المحاماة بين المطلب المهني والتنزيل المؤسساتي

mapmedias

بقلم الأستاذ محمد عيدني – فاس

لم يعد إضراب المحامين بالمغرب مجرد احتجاج مهني تقليدي مرتبط بخلاف حول مقتضيات قانونية أو تدابير ضريبية، بل أصبح محطة بارزة تعكس عمق الإشكالات المرتبطة بتدبير الحوار بين المهنيين والمؤسسات، وبكيفية تنزيل الإصلاحات ذات الصلة بمنظومة العدالة.
وقد تجاوزت تداعيات هذا الاحتجاج أسوار المحاكم، لتفتح نقاشاً واسعاً حول حدود المطالب المهنية، وضرورة الحفاظ في الوقت نفسه على استمرارية المرفق القضائي وضمان حقوق المتقاضين. كما أن بعض القراءات التي تحاول إخراج هذا الاحتجاج من سياقه المهني والمؤسساتي، وتحويله إلى مواجهة مع الدولة أو ثوابت المجتمع، لا تخدم النقاش الهادئ المطلوب في هذه المرحلة.
إن التعامل مع أزمة المحاماة يقتضي، قبل كل شيء، الاحتكام إلى الدستور والقانون ومنطق المؤسسات. فالمحامي، باعتباره أحد مكونات منظومة العدالة، يضطلع بدور أساسي في حماية حقوق الدفاع وصون سيادة القانون، وبالتالي فإن التعبير عن المطالب المهنية يظل حقاً مشروعاً ما دام يتم في إطار المسؤولية واحترام المؤسسات.
تداعيات الشلل على مرفق العدالة
في عمق الميدان، ينعكس استمرار الإضراب بشكل مباشر على السير العادي لمرفق العدالة، من خلال تأجيل عدد كبير من الجلسات وتراكم الملفات، الأمر الذي يفرض أعباء إضافية على القضاة وموظفي المحاكم والمحامين، والأهم من ذلك على المواطنين الذين ينتظرون أحكاماً أو إجراءات قضائية مرتبطة بحقوقهم ومصالحهم.
فكلما طال أمد الأزمة، ازدادت صعوبة تدبير الملفات والآجال، وأصبح المتقاضي أمام وضعية أكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين ترتبط قضاياهم بآجال قانونية أو أوضاع اجتماعية ومادية حساسة.
ولا يمكن لأي إصلاح لمنظومة العدالة أن ينجح إذا كان ثمنه تعطيل مصالح المتقاضين. فالمواطن البسيط الذي ينتظر جلسة أو حكماً لا ينبغي أن يتحول إلى طرف متضرر من خلاف مؤسساتي أو مهني، وهو ما يجعل البحث عن حلول عملية ومسؤولة أمراً مستعجلاً.
وضوح النصوص ضرورة للإصلاح
إن تطوير مهنة المحاماة يقتضي توفير رؤية تشريعية ومهنية واضحة تحدد بدقة حقوق المحامي وواجباته، وتحافظ في الوقت ذاته على استقلالية المهنة ومكانتها داخل منظومة العدالة.
فالمطلوب ليس فقط تعديل بعض المقتضيات القانونية، وإنما بناء تصور متكامل يوازن بين استقلال مهنة المحاماة وبين مسؤوليتها المهنية والاجتماعية، ويعزز الثقة بين مختلف مكونات العدالة.
كما أن أي إصلاح جاد ينبغي أن يتم من خلال حوار مؤسساتي حقيقي، تشارك فيه الجهات المعنية، بعيداً عن منطق شد الحبل أو فرض الأمر الواقع. فالإصلاحات الكبرى لا تنجح بالمواجهة، وإنما بالتوافق حول قواعد واضحة تحفظ الحقوق وتحدد المسؤوليات.
الحوار هو المخرج
إن استمرار حالة الاحتقان لا يخدم المحامين ولا مؤسسات العدالة ولا المتقاضين. ولذلك أصبح من الضروري فتح حوار جاد ومسؤول يضع جميع الملفات المطروحة على طاولة النقاش، ويبحث عن حلول تراعي المطالب المهنية المشروعة وتحمي في الوقت نفسه استمرارية المرفق القضائي.
فالدولة القوية ليست التي ترفض الاستماع إلى مطالب مهنييها، كما أن المؤسسة المهنية الرصينة ليست التي تجعل التصعيد غايتها، وإنما الطرفان معاً مطالبان بإعلاء منطق المؤسسات وتغليب المصلحة العامة.
وفي نهاية المطاف، تبقى العدالة أكبر من أي خلاف مهني عابر، والمحاماة أكبر من أي مطلب ظرفي، لأن جوهرها يرتبط بالدفاع عن الحقوق والحريات وخدمة سيادة القانون.
ومن هنا، فإن تجاوز أزمة المحاماة لن يكون إلا عبر حوار مسؤول، وتشريع واضح، وتنزيل مؤسساتي متوازن، يضع حقوق المتقاضين ومصلحة الوطن في صدارة الأولويات..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.