السياحة المغربية في مرآة الصحافة الفرنسية.. عائدات قياسية ورهانات الاستدامة وتنويع الأسواق

ماب ميديا

السياحة المغربية في مرآة الصحافة الفرنسية.. عائدات قياسية ورهان على الاستدامة وتنويع الأسواق
بقلم الأستاذ محمد عيدني – الرباط
الزوار الفرنسيون يعززون جاذبية الوجهة المغربية.. وقطاع السياحة أمام اختبار تحويل الانتعاش إلى تنمية مستدامة
لم تعد السياحة في المغرب مجرد قطاع اقتصادي مرتبط بالمواسم والعطل، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، بالنظر إلى مساهمتها في توفير فرص الشغل، واستقطاب الاستثمارات، وتحريك قطاعات النقل والإيواء والمطاعم والصناعات التقليدية والخدمات.
وفي هذا السياق، عادت المؤشرات المرتبطة بالسياحة المغربية إلى واجهة الاهتمام الإعلامي الفرنكفوني، بعدما نشرت «هسبريس فرانس»، يوم 19 أكتوبر 2026، تقريراً بعنوان يفيد بأن عائدات السفر بالمغرب بلغت مستوى قياسياً، مدفوعة، من بين عوامل أخرى، بإقبال الزوار الفرنسيين.
ويأتي هذا الاهتمام في وقت يسعى فيه المغرب إلى تعزيز مكانته ضمن الوجهات السياحية الدولية، مستفيداً من تنوع مؤهلاته الطبيعية والثقافية، ومن الاستثمارات الموجهة إلى البنيات التحتية والنقل والإيواء، فضلاً عن الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
لكن وراء الأرقام والمؤشرات الإيجابية، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: هل يستطيع المغرب تحويل الانتعاش السياحي إلى تنمية اقتصادية مستدامة، تضمن توزيعاً أوسع لعائدات القطاع، وتحسن ظروف اشتغال العاملين فيه، وتمنح المدن والقرى السياحية فرصاً متكافئة للاستفادة من هذا النمو؟
الصحافة الفرنسية ترصد جاذبية الوجهة المغربية
إن اهتمام الإعلام الفرنكفوني بأداء السياحة المغربية يعكس المكانة التي باتت تحتلها المملكة في حسابات السفر والترفيه لدى شريحة واسعة من الأوروبيين، وفي مقدمتهم الفرنسيون الذين تربطهم بالمغرب علاقات تاريخية وثقافية واقتصادية وثيقة.
ويشكل القرب الجغرافي، وتعدد الرحلات الجوية، وتنوع العرض السياحي، عوامل تساهم في تعزيز جاذبية الوجهة المغربية، سواء بالنسبة إلى السياح الباحثين عن الشواطئ والاستجمام، أو المهتمين بالمدن التاريخية، أو عشاق السياحة الجبلية والصحراوية، أو الراغبين في اكتشاف المطبخ المغربي والصناعات التقليدية.
كما أن تنوع المنتجات السياحية يمنح المغرب قدرة على استقطاب فئات مختلفة من الزوار، من السياحة العائلية إلى الرحلات الثقافية، ومن السياحة الفاخرة إلى السياحة ذات الكلفة المتوسطة.
غير أن القراءة الاقتصادية لهذه المؤشرات لا ينبغي أن تتوقف عند عدد الوافدين أو قيمة المداخيل الإجمالية؛ فالأهم هو معرفة طبيعة الإنفاق السياحي، ومدى استفادة المقاولات المحلية، وحجم فرص الشغل المستحدثة، ونسبة القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني.
فنجاح الوجهة السياحية لا يقاس فقط بقدرتها على استقبال المزيد من الزوار، بل كذلك بقدرتها على تحويل هذا الإقبال إلى دورة اقتصادية متكاملة يستفيد منها السكان والمهنيون والمستثمرون.
السوق الفرنسية.. شريك استراتيجي للسياحة المغربية
تحتل السوق الفرنسية موقعاً مهماً في العلاقات السياحية بين المغرب وأوروبا، بحكم الروابط الإنسانية والثقافية والاقتصادية التي تجمع البلدين، فضلاً عن وجود جالية مغربية كبيرة في فرنسا تحافظ على صلات مستمرة بأسرها ومناطقها الأصلية.
ولا تقتصر أهمية الزوار الفرنسيين على إنفاقهم داخل الفنادق والمطاعم والمرافق السياحية؛ إذ تمتد آثار حضورهم إلى النقل الجوي والبري، والأنشطة الثقافية، والتجارة المحلية، والخدمات المرتبطة بالسفر.
كما أن تكرار الزيارات، وتنوع الوجهات التي يقصدها السياح الفرنسيون داخل المملكة، يتيحان فرصاً مهمة لتطوير عروض سياحية أكثر تخصصاً، تستجيب لاهتمامات الزوار وتدعم استقرار النشاط خارج فترات الذروة.
لكن الاعتماد الكبير على أسواق محددة قد يجعل القطاع أكثر حساسية للتقلبات الاقتصادية أو تغير القدرة الشرائية أو ارتفاع تكاليف النقل.
ولهذا، فإن تعزيز العلاقة مع السوق الفرنسية ينبغي أن يسير بالتوازي مع توسيع الحضور في أسواق أوروبية أخرى، وتنمية السياحة القادمة من إفريقيا وأمريكا الشمالية وآسيا، فضلاً عن تشجيع السياحة الداخلية.
إن تنويع الأسواق ليس مجرد خيار تجاري، بل وسيلة لتقوية قدرة القطاع على مواجهة الأزمات، وضمان استمرار التدفقات السياحية حتى عندما تتراجع إحدى الأسواق التقليدية.
المدن الكبرى.. بين الانتعاش الاقتصادي وضغط الطلب
تستفيد مدن مثل مراكش وأكادير والدار البيضاء والرباط وفاس وطنجة من تنوع العرض السياحي ومن ارتباطه بالأنشطة الثقافية والتجارية والمؤتمرات والأعمال.
وتوفر هذه المدن بنية تحتية وخدمات تساعد على استقطاب الزوار، غير أن ارتفاع الطلب السياحي يطرح في المقابل تحديات تتعلق بالطاقة الاستيعابية، وجودة الخدمات، والنقل، والنظافة، والمحافظة على التراث العمراني.
فالنمو السياحي الذي لا يواكبه تخطيط حضري متوازن قد يؤدي إلى ارتفاع الضغط على بعض المرافق، أو إلى زيادة تكاليف الإقامة، أو إلى تراجع جودة التجربة السياحية في المناطق الأكثر استقطاباً للزوار.
ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق بين السياسات السياحية وبرامج التهيئة الحضرية والنقل والتدبير البيئي، حتى لا تتحول النجاحات التجارية إلى مصدر لاختلالات اجتماعية أو مجالية.
كما أن تطوير السياحة في المدن التاريخية يقتضي المحافظة على أصالتها المعمارية والثقافية، وتجنب تحويل الفضاءات التراثية إلى مجرد منتجات تجارية تفقد ارتباطها بالمجتمع المحلي.
فالسائح لا يبحث فقط عن فندق جيد أو خدمة مريحة؛ بل يتطلع أيضاً إلى تجربة متكاملة، تعكس هوية المكان وتمنحه فرصة اكتشاف خصوصيته الثقافية والاجتماعية.
السياحة القروية والجبلية.. ثروة تنتظر الاستثمار
إذا كانت المدن الكبرى تستحوذ على جزء مهم من الحركة السياحية، فإن مناطق أخرى بالمغرب تتوفر على مؤهلات لا تقل أهمية، لكنها تحتاج إلى مزيد من الاستثمار والترويج وتحسين الولوج.
وتشكل المناطق الجبلية والواحات والقرى التاريخية والمجالات الصحراوية فرصاً حقيقية لتطوير السياحة البيئية والثقافية، شريطة احترام الخصوصيات المحلية وضمان استفادة السكان من النشاط الاقتصادي.
ويمكن لهذا النوع من السياحة أن يساهم في خلق مصادر دخل إضافية للأسر القروية، ودعم التعاونيات والصناعات التقليدية والمنتجات المجالية، فضلاً عن الحد من الهجرة الاقتصادية نحو المدن الكبرى.
غير أن تطوير هذه الوجهات يتطلب بنية تحتية مناسبة، ومسالك آمنة، وخدمات للإرشاد والاستقبال، وتكويناً مهنياً للعاملين، إلى جانب توفير آليات للتمويل والتسويق.
كما أن حماية الموارد الطبيعية ينبغي أن تكون جزءاً من أي مشروع سياحي، خصوصاً في المناطق التي تواجه الإجهاد المائي أو تدهور الغطاء النباتي أو الضغط على الأنظمة البيئية.
فالسياحة المستدامة لا تقوم على استغلال المؤهلات الطبيعية فقط، بل على صيانتها وضمان استمرارها للأجيال المقبلة.
التشغيل والتكوين.. الحلقة الأساسية في نجاح القطاع
يُعد توفير فرص الشغل من أهم المبررات الاقتصادية لتطوير السياحة، غير أن أثر القطاع في سوق العمل يرتبط بطبيعة الوظائف التي يخلقها، ومستوى استقرارها، وجودة الأجور وظروف الاشتغال.
فالمؤسسات السياحية تحتاج إلى كفاءات في الاستقبال والتدبير الفندقي والطبخ والتسويق الرقمي واللغات والإرشاد السياحي، إضافة إلى مهارات مرتبطة بالتكنولوجيا وتدبير الحجوزات وتحليل سلوك المستهلكين.
ويفرض ذلك تطوير التكوين المهني وربطه بالحاجات الفعلية للمقاولات، مع توفير فرص التدريب المستمر وتسهيل انتقال الشباب من التكوين إلى العمل.
كما ينبغي الاهتمام بالأوضاع الاجتماعية للعاملين في القطاع، وضمان احترام حقوقهم المهنية، لأن جودة الخدمة السياحية تبدأ من جودة ظروف العمل داخل المؤسسات.
ومن المهم أيضاً تشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الاندماج في المنظومة السياحية، بدلاً من تركيز الفرص في المؤسسات الكبرى وحدها.
فالمقاولة المحلية، سواء تعلق الأمر بدار ضيافة أو مطعم أو وكالة أسفار أو تعاونية للصناعة التقليدية، يمكن أن تؤدي دوراً أساسياً في توزيع العائدات وتعزيز الروابط بين السياحة والاقتصاد المحلي.
مونديال 2030.. فرصة لتسريع التحول السياحي
يمثل تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، محطة مهمة في مسار تطوير البنيات التحتية والخدمات السياحية بالمغرب.
فالاستعداد لهذا الحدث يفتح المجال لتحديث مرافق النقل، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للإيواء، وتحسين الفضاءات الحضرية، وتعزيز الربط بين المدن والمناطق السياحية.
كما يتيح فرصة لتقديم صورة متكاملة عن المغرب، تجمع بين مؤهلاته الثقافية والتاريخية والطبيعية وبين قدراته التنظيمية واللوجستية.
لكن النجاح لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم المشاريع المنجزة قبل موعد البطولة، بل بقدرتها على الاستمرار في خدمة الاقتصاد الوطني بعد انتهاء المنافسات.
ولهذا، فإن التخطيط السليم يقتضي تجنب الاستثمارات غير المدروسة، وضمان التوازن بين المشاريع الكبرى وحاجات السكان اليومية، خصوصاً في مجالات النقل والصحة والخدمات العامة.
كما أن الترويج السياحي المرتبط بالمونديال ينبغي أن يتحول إلى استراتيجية طويلة الأمد تستهدف أسواقاً جديدة، وتشجع الزوار على اكتشاف مناطق متعددة من المملكة، بدل الاقتصار على المدن المستضيفة للمباريات.
إن التحدي الحقيقي هو تحويل الحدث الرياضي إلى رافعة تنموية مستدامة، تترك وراءها بنية تحتية نافعة وفرصاً اقتصادية متواصلة.
الرقمنة وجودة الخدمات.. معركة التنافسية الجديدة
أصبحت المنافسة السياحية الدولية تعتمد بصورة متزايدة على جودة التجربة الرقمية التي يعيشها المسافر قبل الرحلة وأثناءها وبعدها.
فالحجز الإلكتروني، وسهولة الأداء، وتوفر المعلومات الدقيقة، وسرعة الاستجابة للشكاوى، كلها عوامل تؤثر في اختيار الوجهة وفي قرار العودة إليها.
ومن هنا، فإن تطوير الخدمات الرقمية لدى المؤسسات السياحية المغربية يمكن أن يعزز تنافسيتها، خصوصاً لدى الزوار الذين يعتمدون على المنصات الإلكترونية في اختيار أماكن الإقامة والأنشطة والمطاعم.
كما أن تحسين جودة النقل العمومي، وتوفير المعلومات السياحية بعدة لغات، وتسهيل الولوج إلى المواقع الثقافية، عناصر تساهم في رفع مستوى الرضا لدى الزوار.
ولا ينبغي أن يقتصر هذا التطوير على المؤسسات الكبرى؛ بل يتعين أن تستفيد منه المقاولات الصغيرة والمهنيون المحليون، حتى لا تتسع الفجوة بين المؤسسات التي تمتلك إمكانات رقمية متقدمة وتلك التي تواجه صعوبات في مواكبة التحول.
وتظل حماية المعطيات الشخصية، وشفافية الأسعار، وجودة المعلومات المنشورة، عناصر ضرورية لبناء الثقة في الخدمات الرقمية السياحية.
الاستدامة البيئية.. ضرورة لحماية الثروة السياحية
يشكل الماء والطاقة والنظافة وتدبير النفايات تحدياً متزايداً أمام القطاع السياحي، خصوصاً في المناطق التي تواجه ضغطاً على الموارد الطبيعية.
فالفنادق والمرافق السياحية تحتاج إلى كميات مهمة من المياه والطاقة، وهو ما يفرض تطوير حلول لترشيد الاستهلاك، وتحسين كفاءة التجهيزات، واعتماد ممارسات أكثر استدامة.
كما أن حماية الشواطئ والمواقع الطبيعية والمناطق الجبلية والواحات لا تنفصل عن مستقبل السياحة المغربية، لأن تدهور البيئة قد يؤدي إلى فقدان جزء من الجاذبية التي تميز الوجهة الوطنية.
ولهذا، فإن تشجيع الاستثمار في السياحة المستدامة ينبغي أن يقترن بمعايير واضحة للنجاعة البيئية، وبمراقبة احترامها، وبحوافز تشجع المؤسسات على اعتماد حلول مبتكرة.
إن التنافسية الحقيقية لا تتحقق باستقطاب الزوار على المدى القصير فقط، بل بالحفاظ على الموارد التي تجعل المغرب وجهة جذابة وقادرة على الاستمرار.
قراءة مهنية: ماذا تعني الأرقام القياسية للمواطن المغربي؟
إن تسجيل مستويات مرتفعة من عائدات السياحة يمثل مؤشراً اقتصادياً مهماً، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مدى استفادة المجتمع من هذا النمو.
فالمطلوب هو معرفة كيفية توزيع المداخيل، ومدى انعكاسها على فرص العمل، وحجم الاستثمارات المحلية، وقدرة المؤسسات الصغيرة على الاستفادة من الطلب السياحي.
كما أن ارتفاع الإيرادات ينبغي أن يقترن بتحسين جودة الخدمات، وتطوير البنية التحتية، وضمان احترام حقوق العاملين، وتعزيز مساهمة القطاع في التنمية المحلية.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي أمام السياسات السياحية المغربية يتمثل في الانتقال من منطق استقطاب أكبر عدد ممكن من الزوار إلى نموذج متكامل يقيس النجاح بالأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
ويستوجب ذلك نشر معطيات دقيقة ومنتظمة حول أداء القطاع، وتطوير أدوات التقييم، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية والفاعلين المهنيين والجماعات الترابية.
فالمؤشرات الاقتصادية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تساعد على اتخاذ قرارات أفضل، وتكشف مكامن القوة والضعف، وتتيح للرأي العام تقييم النتائج بصورة موضوعية.
خاتمة: المغرب أمام فرصة لتثبيت مكانته السياحية
إن الاهتمام الذي تحظى به السياحة المغربية في الإعلام الفرنكفوني، ومنه التقرير المنشور في «هسبريس فرانس» يوم 19 أكتوبر 2026 بشأن ارتفاع عائدات السفر، يعكس أهمية القطاع في الاقتصاد الوطني، ويؤكد الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في جاذبية الوجهة المغربية.
غير أن المرحلة المقبلة تقتضي توسيع قاعدة المستفيدين من النمو السياحي، وتنويع الأسواق، وتحسين التكوين المهني، وتطوير الخدمات الرقمية، وحماية الموارد الطبيعية، مع إيلاء أهمية أكبر للمناطق التي لم تستفد بعد من كامل إمكاناتها السياحية.
كما أن الاستعدادات المرتبطة بمونديال 2030 ينبغي أن تكون فرصة لتعزيز جودة البنية التحتية والخدمات، وبناء نموذج سياحي قادر على الاستمرار بعد انتهاء الحدث.
إن المغرب يتوفر على مؤهلات طبيعية وثقافية وحضارية تمنحه مكانة مهمة على خريطة السياحة الدولية، لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب رؤية متكاملة، وحكامة فعالة، وتوازناً بين الاستثمار والعدالة المجالية والاستدامة البيئية.
فالسياحة الناجحة ليست مجرد أرقام قياسية في الإيرادات، بل اقتصاد منتج يخلق فرص الشغل، ويحمي التراث، ويعزز صورة المغرب، ويجعل المواطن شريكاً أساسياً في التنمية ومستفيداً من ثمارها.
بقلم الأستاذ محمد عيدني
الرباط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.