سبتة ومليلية تعودان إلى واجهة النقاش المغربي الإسباني.. بين الذاكرة التاريخية وحسابات المستقبل

ماب ميديا

بقلم الأستاذ محمد عيدني – الرباط
قراءة في تغطية صحيفة «إل باييس» الإسبانية وتداعيات تجدد النقاش حول الوحدة الترابية
عادت قضية سبتة ومليلية والجزر والصخور الواقعة تحت السيطرة الإسبانية شمال المغرب إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، بعدما نشرت صحيفة «إل باييس» الإسبانية، يوم 22 أكتوبر 2026، تقريراً تناول تجدد المطالبات المغربية بشأن المدينتين خلال النقاش البرلماني المرتبط بتنصيب رئيسة الحكومة فاطمة المنصوري.
ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي يتسم بحساسية العلاقات بين الرباط ومدريد، وتداخل الملفات الترابية مع قضايا الهجرة والأمن والتعاون الاقتصادي، فضلاً عن تداعيات الزيارة التي قام بها العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية في منتصف أكتوبر الجاري.
وتكتسب عودة هذا الملف إلى النقاش أهمية خاصة، بالنظر إلى أن العلاقات المغربية الإسبانية شهدت خلال السنوات الماضية محطات من التقارب والتعاون، لكنها ظلت محكومة بملفات خلافية لم تجد طريقها إلى تسوية نهائية.
الصحافة الإسبانية ترصد عودة الملف إلى البرلمان المغربي
سلطت صحيفة «إل باييس» الضوء على المواقف التي عبّر عنها عدد من الفاعلين السياسيين المغاربة خلال النقاش البرلماني، ولا سيما الدعوات إلى مواصلة العمل الوطني والدبلوماسي من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
كما توقفت الصحيفة عند تصريحات سياسية شددت على أن الشراكة بين المغرب وإسبانيا ينبغي ألا تكون على حساب المبادئ المرتبطة بالوحدة الترابية، مع الإشارة إلى أن معالجة القضايا الخلافية تقتضي الحوار والوسائل السلمية.
وتكشف هذه التغطية عن اهتمام إسباني واضح بالرسائل الصادرة عن المؤسسات والأحزاب المغربية، خصوصاً عندما تتصل بملفات تعتبرها مدريد من صميم سيادتها الوطنية.
غير أن القراءة المهنية تقتضي التمييز بين مواقف الأحزاب والبرلمانيين وبين القرارات الرسمية للدولة؛ فالتصريحات السياسية، مهما كانت أهميتها، لا تعني بالضرورة حدوث تغيير فوري في السياسة الخارجية أو انتقال الملف إلى مفاوضات رسمية.
المصدر: صحيفة «إل باييس» الإسبانية، 22 أكتوبر 2026.
ملف تاريخي يتجاوز الحسابات الظرفية
لا يمكن فهم استمرار حضور قضية سبتة ومليلية في الخطاب السياسي المغربي بمعزل عن خلفيتها التاريخية والجغرافية.
فالمغرب يعتبر المدينتين، إلى جانب عدد من الجزر والصخور الواقعة قبالة ساحله المتوسطي، جزءاً من ملف وحدته الترابية الذي ظل حاضراً في النقاش الوطني منذ الاستقلال.
وفي المقابل، تتمسك إسبانيا بسيادتها على المدينتين، وتعتبرهما جزءاً من أراضيها ومن حدود الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل القضية من الملفات الحساسة التي تتقاطع فيها الاعتبارات التاريخية مع المواقف القانونية والسياسية المعاصرة.
ومن ثم، فإن استمرار الخلاف لا يعكس مجرد اختلاف في المصطلحات أو الروايات التاريخية، بل يكشف عن تباين جوهري في تصور الطرفين لمستقبل هذه المناطق وموقعها في العلاقات الثنائية.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى موقع المدينتين الاستراتيجي عند مدخل مضيق جبل طارق، الذي يشكل أحد أهم الممرات البحرية الرابطة بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
زيارة الملك فيليبي السادس وتداعياتها السياسية
ربطت الصحيفة الإسبانية تجدد النقاش المغربي بشأن سبتة ومليلية بالزيارة التي قام بها الملك فيليبي السادس إلى المدينتين خلال شهر أكتوبر الجاري.
وقد حملت الزيارة دلالات سياسية ورمزية بالنسبة إلى مدريد، خصوصاً في ظل تمسك المؤسسات الإسبانية بموقفها من السيادة على المدينتين.
وفي المقابل، أعادت الزيارة تسليط الضوء على حساسية الملف داخل المغرب، وعلى التباين بين الرغبة في تطوير العلاقات الثنائية واستمرار الخلاف بشأن القضايا الترابية.
لكن من المهم عدم اختزال العلاقات المغربية الإسبانية في هذا الملف وحده؛ فالعلاقات بين البلدين تشمل مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية واسعة، تجعل من إدارة الخلافات بالحوار والتواصل الدبلوماسي ضرورة مشتركة.
كما أن استمرار التعاون في الملفات ذات الاهتمام المتبادل لا يعني اختفاء نقاط الخلاف، تماماً كما أن اختلاف المواقف لا يفرض بالضرورة القطيعة أو التصعيد.
بين الشراكة الاستراتيجية والملفات العالقة
تقوم العلاقات المغربية الإسبانية على شبكة من المصالح المتبادلة، تشمل التجارة والاستثمار والتعاون الأمني ومراقبة الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.
وتمنح الجغرافيا البلدين موقعاً خاصاً في إدارة التحديات المرتبطة بغرب البحر الأبيض المتوسط، حيث تفرض حركة الأشخاص والبضائع والتحديات الأمنية تنسيقاً مستمراً بين المؤسسات المعنية.
غير أن هذه الشراكة تواجه اختباراً متكرراً كلما عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش السياسي.
فمن جهة، تتمسك مدريد بموقفها الرافض لفتح نقاش بشأن السيادة على المدينتين، ومن جهة أخرى، يظل الموقف المغربي مرتبطاً بمطالبه الترابية وبالمرجعية التاريخية التي يستند إليها في هذا الملف.
ويعني ذلك أن تطوير العلاقات الثنائية لا يتطلب تجاهل الخلافات، بل إدارتها بقدر أكبر من المسؤولية والواقعية، مع تجنب تحويل التصريحات السياسية إلى أزمات دبلوماسية متجددة.
البعد الاقتصادي.. منافسة تتجاوز الحدود
لا تقتصر أهمية سبتة ومليلية على الجوانب التاريخية والسياسية، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي والتجاري.
فالتطور الذي تعرفه الموانئ المغربية، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، والمشاريع المرتبطة بتطوير البنية التحتية في شمال المملكة، يعزز موقع المغرب بوصفه مركزاً لوجستياً وتجارياً في المنطقة.
كما أن المشاريع المينائية والصناعية الجديدة، بما فيها ميناء الناظور غرب المتوسط، مرشحة لتعزيز الربط التجاري بين المغرب والأسواق الأوروبية والإفريقية.
وتطرح هذه التحولات تحديات اقتصادية أمام المدينتين، اللتين ترتبط أجزاء من نشاطهما التجاري والجغرافي بعلاقتهما مع محيطهما المغربي.
لكن المنافسة الاقتصادية لا ينبغي أن تُقرأ بالضرورة باعتبارها مواجهة سياسية مباشرة؛ إذ يمكن للتكامل التجاري وتطوير سلاسل الإمداد أن يخلقا فرصاً مشتركة إذا توفرت الإرادة السياسية والآليات الملائمة للتعاون.
الهجرة.. عامل ضغط إضافي على العلاقات الثنائية
يشكل ملف الهجرة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الرباط ومدريد، خصوصاً في ظل الموقع الجغرافي للمدينتين وتزايد الضغوط المرتبطة بالعبور غير النظامي.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الأزمات الحدودية يمكن أن تتحول بسرعة إلى موضوع للنقاش الداخلي في إسبانيا، وأن تستثمرها بعض القوى السياسية في إطار الجدل بشأن الأمن والهجرة والسيادة.
ومن الضروري في هذا السياق تجنب الخلط بين قضايا الهجرة والمطالب الترابية؛ فلكل ملف أبعاده القانونية والسياسية والإنسانية الخاصة.
كما أن معالجة الهجرة تتطلب تعاوناً عملياً يحترم القانون وحقوق الإنسان، ويعالج أسباب الظاهرة، ويمنع استغلال المهاجرين في الصراعات السياسية أو توظيف معاناتهم في الخطابات التحريضية.
قراءة إعلامية: ماذا تعني عودة الملف إلى الواجهة؟
إن عودة سبتة ومليلية إلى التغطية الإعلامية الإسبانية تعكس استمرار حساسية القضية في الوعي السياسي لدى البلدين، لكنها لا تكفي وحدها للاستنتاج بأن أزمة دبلوماسية جديدة أصبحت حتمية.
فالصحافة الإسبانية ليست كتلة واحدة، كما أن ما تنشره من تقارير وتحليلات لا يمثل بالضرورة موقف الحكومة الإسبانية في كل تفاصيله.
ولهذا، فإن التعامل المهني مع هذه المواد يقتضي تحديد مصدر المعلومة، والتمييز بين الخبر والتعليق، ومقارنة ما تنقله الصحف بالتصريحات الرسمية الصادرة عن المؤسسات المعنية.
ومن منظور إعلامي مغربي، تبرز الحاجة إلى مواكبة الملف بلغة دقيقة ومسؤولة، تشرح الخلفيات التاريخية والسياسية، وتعرض المواقف المختلفة بوضوح، دون مبالغة أو تحويل كل تصريح إلى مواجهة مفتوحة.
فالدفاع عن المصالح الوطنية لا يتعارض مع الموضوعية الصحفية؛ بل إن قوة الخطاب الإعلامي تكمن في تقديم الوقائع الموثقة، وتحليل أبعادها، وتجنب الأحكام التي لا تسندها الأدلة.
خاتمة: الحوار ضرورة لا تلغي الخلاف
تؤكد التطورات الأخيرة أن قضية سبتة ومليلية ما تزال حاضرة في العلاقات المغربية الإسبانية، وأنها قابلة للعودة إلى واجهة النقاش كلما تداخلت الاعتبارات التاريخية مع التحولات السياسية أو التطورات الأمنية والحدودية.
وبين تمسك كل طرف بموقفه، تظل المصالح المشتركة عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد، بما يجعل الحفاظ على قنوات الحوار والتواصل الدبلوماسي ضرورة استراتيجية.
إن معالجة الملفات الخلافية تحتاج إلى نفس طويل، ورؤية واضحة، وتدبير مسؤول للاختلافات، بعيداً عن التصعيد الإعلامي أو الأحكام المتسرعة.
أما الإعلام، فتقع على عاتقه مسؤولية تقديم قراءة متوازنة للتطورات، تكشف خلفياتها وتشرح تداعياتها، وتساعد الرأي العام على فهم طبيعة المرحلة بعيداً عن التهويل.
بقلم الأستاذ محمد عيدني
الرباط
المصدر المرجعي: صحيفة «إل باييس» الإسبانية، 22 أكتوبر 2026، بشأن عودة قضية سبتة ومليلية إلى النقاش السياسي المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.