وفيات الرجال تحت المجهر: هل تتحمل العلاقات المتوترة جزءاً من المسؤولية؟

بقلم: الأستاذ "عيدني" – *فاس*

تثير قضية وفيات الرجال في سن مبكرة نسبياً تساؤلات متزايدة داخل الأوساط الاجتماعية والصحية، خاصة في ظل ملاحظات متكررة تربط هذه الظاهرة بجملة من الضغوط النفسية والمعيشية التي تتفاقم يوماً بعد آخر. وبين تعدد الأسباب وتداخلها، يبرز عامل العلاقات الأسرية والعاطفية كأحد العناصر التي تستدعي الوقوف عندها بقدر من الموضوعية والتحليل.

يسجل مختصون أن الضغوط النفسية تلعب دوراً محورياً في التأثير على صحة الإنسان، إذ قد تؤدي حالات التوتر المستمر إلى اضطرابات جسدية خطيرة، من بينها أمراض القلب والشرايين، فضلاً عن الانهاك النفسي الذي ينعكس على نمط الحياة بشكل عام. وفي هذا السياق، يجد بعض الرجال أنفسهم أمام تحديات مركبة، تجمع بين المسؤوليات الاقتصادية، وضغوط العمل، وتوتر العلاقات داخل الأسرة.

تتسم بعض العلاقات الزوجية أو العاطفية بغياب التوازن في التواصل، حيث تتراكم الخلافات دون إيجاد قنوات فعالة للحوار، ما يخلق بيئة مشحونة قد تؤثر سلباً على الاستقرار النفسي للطرفين. وفي حالات معينة، يتحول هذا التوتر إلى عامل ضغط دائم، يرهق الأعصاب ويؤثر على جودة الحياة، خصوصاً عندما يغيب الدعم المتبادل وتغلب لغة الاتهام أو الصمت.

غير أن تحميل المسؤولية لطرف بعينه، سواء الرجل أو المرأة، يظل تبسيطاً مخلّاً لواقع معقد. فالعلاقات الإنسانية تقوم على التفاعل، وأي خلل فيها غالباً ما يكون نتيجة تراكمات مشتركة، تتداخل فيها عوامل التربية، والوعي، والظروف الاقتصادية، والمرجعية الثقافية. كما أن التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة فيما يتعلق بأدوار الجنسين، أفرزت بدورها تحديات جديدة في فهم طبيعة العلاقة وحدود المسؤولية.

من جهة أخرى، يظل موضوع الصحة النفسية للرجال من القضايا التي لم تنل بعد ما تستحقه من اهتمام، حيث ما زالت بعض الصور النمطية تدفع الرجل إلى كتمان معاناته وعدم طلب المساعدة، بدعوى التحمل أو الحفاظ على صورة القوة. هذا الصمت قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الداخلية، ويجعل بعض الحالات تمر دون تشخيص أو مواكبة.

في المقابل، يؤكد مهتمون بالشأن الأسري أن الحل يكمن في تعزيز ثقافة الحوار داخل العلاقات، وتكريس مبدأ الشراكة بدل الصراع، مع ضرورة نشر الوعي بأهمية التوازن النفسي لكلا الطرفين. كما أن المؤسسات المعنية مطالبة بتوفير آليات للدعم النفسي والاجتماعي، تتيح للأفراد التعبير عن مشاكلهم ومعالجتها في إطار سليم.

إن تناول موضوع وفيات الرجال من زاوية العلاقات المتوترة لا يعني إغفال باقي العوامل الصحية أو الاقتصادية، بل يهدف إلى فتح نقاش مسؤول حول جانب غالباً ما يتم تجاهله. فبناء علاقات صحية ومتوازنة يظل ركيزة أساسية لضمان الاستقرار، ليس فقط على المستوى الفردي، بل داخل المجتمع ككل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.