تناولت دراسة حديثة للدكتور محمد بن عيسى إشكالية التوازن بين متطلبات البحث الجنائي وحماية الحق في الخصوصية، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وذلك من خلال تحليل مستجدات القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية.
وفي هذا السياق، أوضحت الدراسة، المنشورة في العدد الأخير من مجلة “منازعات الأعمال”، أن تطور وسائل الرقابة التكنولوجية واعتمادها في الأبحاث الجنائية يطرح تحديات قانونية معقدة، تتعلق أساساً بمدى احترام الحياة الخاصة للأفراد في عصر تزايدت فيه تقنيات جمع المعطيات وتتبعها.
كما أشارت المعطيات إلى أن الحق في الخصوصية لم يتشكل بشكل مفاجئ، بل تطور عبر مراحل فكرية وقانونية متعددة، انطلاقاً من الطرح الكلاسيكي الذي اعتبره “الحق في أن يُترك الإنسان وشأنه”، وصولاً إلى المقاربات الحديثة التي تربطه بحماية المعطيات الشخصية والتحكم في تدفق المعلومات.
من جهة أخرى، أبرزت الدراسة أن هذا الحق يحظى بتكريس دولي وإقليمي واسع، من خلال مواثيق حقوق الإنسان التي تحظر أي تدخل تعسفي في الحياة الخاصة، وهو ما انعكس بدوره على التشريعات الوطنية، بما فيها المغرب، الذي كرس حماية الخصوصية دستورياً في دستور 2011، إلى جانب ترسانة قانونية ذات طابع زجري وتنظيمي.
غير أن الدراسة سجلت أن هذا الإطار القانوني، رغم أهميته، لا يزال في بعض جوانبه مرتبطاً بالتصور التقليدي للخصوصية، ما يطرح إشكالية قدرته على مواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة، خاصة مع توسع مجالات المراقبة الرقمية.
وفي المقابل، اعتبر الباحث أن القانون رقم 03.23 يمثل خطوة متقدمة نحو تحديث وسائل البحث الجنائي، من خلال إقراره تقنيات مثل التنصت وتسجيل المعطيات الإلكترونية وتحديد المواقع، غير أن هذه المقتضيات، حسب الدراسة، لم تُواكَب بضمانات دقيقة كافية لضبط نطاق التدخل في الحياة الخاصة.
وعلاوة على ذلك، خلصت الدراسة إلى أن تحقيق التوازن بين فعالية البحث الجنائي وحماية الخصوصية يظل نسبياً، في ظل الحاجة إلى مزيد من الدقة التشريعية وتعزيز الرقابة القضائية، بما يضمن احترام مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، ويحد من مخاطر التوسع في المراقبة على حساب الحريات الفردية.