يكشف الباحث المغربي زكرياء أقنوش، في إصدار أكاديمي جديد، خبايا ما يسميه “العلبة السوداء” للعملية الانتخابية بالمغرب، من خلال دراسة فكرية تمتد على 597 صفحة، تمزج بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع السياسي لفهم طبيعة الممارسة الانتخابية وآليات تدبير التوازنات داخل النسق السياسي المغربي.
ويقدم أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية بجامعة جامعة مولاي إسماعيل قراءة تتجاوز المقاربات الرقمية والإحصائية التقليدية، متوقفا عند مفهوم “العقل الانتخابي” المرتبط بمنظومة هندسة سياسية دقيقة تشرف عليها الدولة بهدف التحكم في إيقاع التحول الديمقراطي، مع الحفاظ على مركزية المؤسسة الملكية باعتبارها ضامنة للاستقرار والتوازن المؤسساتي.
ويرى الباحث أن النظام السياسي المغربي راكم عبر عقود ما وصفه بـ”ذكاء الموازنة”، وهو نمط تدبير يقوم على استيعاب المعارضة داخل المؤسسات المنتخبة وتحويلها من فضاءات الاحتجاج إلى منطق التدبير والمشاركة السياسية، بما يسمح بتجديد النخب وضمان صورة ديمقراطية مستقرة دون المساس بجوهر السلطة.
كما يتناول الكتاب تفاصيل “الهندسة الانتخابية” عبر تحليل أدوات مثل التقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع والقاسم الانتخابي والعتبة، باعتبارها آليات توازن تحول دون هيمنة أي حزب سياسي على المشهد العام، وهو ما يفرض منطق التحالفات ويكرس دور السلطة كفاعل رئيسي في تنظيم التوازنات السياسية.
ويتطرق العمل أيضا إلى ما وصفه المؤلف بـ”المناطق المسكوت عنها” داخل المخيال السياسي لصانع القرار، خاصة ما يرتبط بالتخوفات من صعود التيارات الراديكالية والإسلامية، إضافة إلى تأثيرات الجالية المغربية بالخارج على التوازنات السياسية الداخلية.
وفي سياق متصل، يقدم الكتاب قراءة أنثروبولوجية لظاهرة العزوف الانتخابي، معتبرا أن الامتناع عن التصويت يمثل “صوتا ناطقا بالصمت”، يعكس تزايد شعور فئات واسعة من المواطنين بضعف تأثير العملية الانتخابية على جوهر المعادلة السياسية.
ويحذر زكرياء أقنوش من اتساع دائرة العزوف، معتبرا أنها تمثل تحديا حقيقيا أمام شرعية المؤسسات المنتخبة، في ظل الحاجة المتزايدة إلى استعادة الثقة بين المواطن والحياة السياسية.
ويخلص الباحث إلى أن مسار الدمقرطة بالمغرب يظل عملية تفاوض مستمرة بين مطالب التغيير المجتمعي وآليات الضبط السياسي، مؤكدا أن “الاستثناء المغربي” يقوم على قدرة النسق السياسي على إعادة إنتاج نفسه عبر توازن معقد بين التقاليد السياسية ومتطلبات الحداثة المؤسساتية.