في اليوم العالمي للبيئة.. فاعلون مدنيون بالجديدة يدقون ناقوس الخطر ويكرمون جنود النظافة المجهولين
الجديدة – عبد الكريم زهير
دق فاعلون جمعويون وتربويون وخبراء في الشأن البيئي ناقوس الخطر بشأن الوضع البيئي بمدينة الجديدة، داعين إلى الانتقال من مرحلة التشخيص وإطلاق الشعارات إلى مرحلة الفعل الميداني والالتزام الجماعي بحماية المجال البيئي، وذلك خلال نشاط احتضنته القاعة الكبرى بثانوية أبي شعيب الدكالي صباح السبت 13 يونيو 2026، تخليدا لليوم العالمي للبيئة تحت شعار: “بيئة مدينتنا مسؤولية جماعية”.
اللقاء الذي نظمته فيدرالية جمعيات الأحياء السكنية بالجديدة بشراكة مع الفيدرالية الوطنية لجمعيات آباء وأولياء التلاميذ فرع الجديدة، عرف حضور فعاليات جمعوية وتربوية وإعلامية ومهتمين بالشأن البيئي، وشكل مناسبة لفتح نقاش عمومي حول التحديات البيئية التي تواجه المدينة ومحيطها.
وفي كلمته الافتتاحية، طرح رئيس الفيدرالية عبد الكريم النهامي سؤالا اعتبره محوريا في مختلف الأنشطة البيئية التي تعرفها المدينة: “هل نعيش فعلا في بيئة سليمة؟”، مؤكدا أن الجواب يظل سلبيا ما دامت المدينة تعيش منذ سنوات على وقع الحديث المتكرر عن البيئة دون انعكاس ملموس على أرض الواقع.
وأوضح النهامي أن تحقيق بيئة سليمة لا يرتبط فقط بتنظيف الشوارع والأحياء، بل يبدأ من بناء وعي جماعي وسلوك مواطن مسؤول، معتبرا أن “تنظيف العقول وتقويم التصرفات” يسبق تنظيف الفضاءات العمومية. وأضاف أن تنشئة المواطن على احترام محيطه مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات العمومية والمجتمع المدني.
وفي هذا السياق، استحضر رئيس الفيدرالية وضعية غابة الحوزية التي وصفها بالرئة الطبيعية للجديدة، معتبرا أن تحول أجزاء منها إلى مطرح عشوائي للنفايات يشكل سلوكا مرفوضا يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي وقيم المواطنة والأخلاق البيئية.

وشكل النشاط أيضا مناسبة لتكريم عامل وعاملة من عمال النظافة، في التفاتة رمزية تروم الاعتراف بالمجهودات اليومية التي يبذلها عمال القطاع للحفاظ على نظافة المدينة وصحة ساكنتها، باعتبارهم جنودا ميدانيين يساهمون بصمت في حماية البيئة وتحسين جودة الحياة.
وعرفت الندوة أربع مداخلات علمية تناولت القضية البيئية من زوايا دينية وإعلامية وصحية وأكاديمية.
ففي مداخلته الموسومة بـ”الواجب البيئي في الإسلام: قراءات فقهية وأخلاقية لحماية الطبيعة”، أكد الأستاذ بوشعيب جوال، المرشد الديني بالمجلس العلمي المحلي لإقليم الجديدة والأستاذ الزائر بكلية الحقوق بسطات، أن حماية البيئة في الإسلام ليست مجرد خيار أخلاقي، بل واجب شرعي يرتكز على مبدأ استخلاف الإنسان في الأرض وتحمله مسؤولية المحافظة على مواردها وعدم الإفساد فيها.
واستعرض المتدخل مجموعة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤسس لثقافة بيئية متكاملة، مبرزا أن قواعد الفقه الإسلامي، من قبيل “لا ضرر ولا ضرار” و”الضرر يزال”، تشكل أساسا لإرساء أحكام وممارسات تحمي الموارد الطبيعية وتمنع التبذير والإفساد.
من جانبه، تناول الإعلامي مصطفى إسعاد موضوع “الصحافة البيئية الحديثة: من نقل الخبر إلى تفكيك الأزمة”، معتبرا أن الإعلام البيئي لم يعد يقتصر على تغطية الكوارث الطبيعية، بل أصبح مطالبا بالبحث في جذور الأزمات وتحليل أسبابها ومساءلة السياسات العمومية والفاعلين المؤثرين في المجال البيئي.
وأكد إسعاد أن الصحافة البيئية أضحت اليوم “صحافة بقاء”، لأنها تساهم في حماية الموارد الطبيعية والدفاع عن حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة، داعيا إلى إعلام متخصص يستند إلى المعرفة العلمية والدقة المهنية.
أما الناشط الجمعوي زهير ماعيزي، رئيس الجمعية المغربية لتعزيز الصحة، فقد ركز في عرضه على العلاقة الوثيقة بين العدالة المناخية والإنصاف الصحي، مبرزا أن الفئات الأقل مساهمة في التلوث البيئي غالبا ما تكون الأكثر تضررا من انعكاساته الصحية والاجتماعية.
وتوقف المتدخل عند التحديات البيئية التي يعرفها إقليم الجديدة، وفي مقدمتها الضغط الصناعي بالساحل، وتراجع المجال الغابوي، والإجهاد المائي الذي يهدد سهل دكالة، داعيا إلى إحداث مرصد صحي بيئي وتعزيز المشاركة المواطنة في مراقبة جودة الهواء والماء، إلى جانب بناء شراكات عملية بين السلطات والجماعات الترابية والقطاع الصناعي والمجتمع المدني.
وفي مداخلة أكاديمية موسعة، وضع الأستاذ رضوان ماضي، أستاذ بجامعة مولاي سليمان ببني ملال، الوضع البيئي بالجديدة ضمن سياق عالمي ووطني يتسم بتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية نتيجة متطلبات التنمية الاقتصادية.
وأشار إلى أن الجديدة الكبرى تواجه تحديا حقيقيا يتمثل في التوفيق بين متطلبات التنمية الصناعية والسياحية والفلاحية وبين الحفاظ على التوازنات البيئية، معتبرا أن المنطقة مؤهلة لتصبح مختبرا وطنيا للتنمية المستدامة إذا ما تم اعتماد مقاربات علمية وتشاركية فعالة.
ودعا ماضي إلى تنظيم ملتقى علمي سنوي حول “التنمية الترابية والتوازنات البيئية”، بما يسمح بتجميع الخبرات وتنسيق جهود مختلف الفاعلين من أجل بلورة حلول واقعية ومستدامة.
وعقب انتهاء المداخلات، فتح باب النقاش أمام الحاضرين الذين عبروا عن انشغالاتهم المرتبطة بواقع البيئة بمدينة الجديدة، مجددين المطالبة بتحمل المؤسسات الصناعية لمسؤولياتها البيئية والاجتماعية، والمساهمة في تمويل مشاريع حماية البيئة وتحسين جودة العيش.
وفي هذا الإطار، أعادت فيدرالية جمعيات الأحياء السكنية بالجديدة التأكيد على مجموعة من المطالب التي تعتبرها ذات أولوية، وفي مقدمتها الإسراع بإنجاز مشروع المنتزه المبرمج فوق المطرح القديم للنفايات، وإنجاز الشريط الأخضر للحد من آثار الانبعاثات الصناعية، وإنقاذ غابة الحوزية من التدهور، وتحسين خدمات النظافة بالمدينة ومراقبة تنفيذ التزامات الشركة المفوض لها القطاع، إلى جانب إعادة تأهيل الحدائق العمومية وتوسيع التشجير الحضري، وإنجاز مطرح إقليمي مراقب يستجيب للمعايير البيئية الحديثة.
وخلص المشاركون إلى أن حماية البيئة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين، مؤكدين أن مستقبل الجديدة البيئي يظل رهينا بمدى القدرة على تحويل الوعي البيئي إلى ممارسات وسياسات عملية تحفظ حق الأجيال الحالية والقادمة في العيش داخل بيئة سليمة ومستدامة.