ملف “50 مليار سنتيم” بالجديدة يكشف تحولا قانونيا كبيرا.. لماذا فقدت الجمعيات حق تحريك قضايا المال العام؟

-متابعة-عبد الكريم زهير ماب ميديا

 

رضوان دليل لماب ميديا: التعديلات الجديدة للمسطرة الجنائية جعلت تحريك جرائم المال العام اختصاصا حصريا للمؤسسات الرقابية ورئيس النيابة العامة

 

أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بقرار حفظ الشكاية التي تقدمت بها ثلاث هيئات حقوقية بإقليم الجديدة بشأن تصريحات سياسية تحدثت عن وجود شبهات تبديد أموال عمومية تقدر بحوالي 50 مليار سنتيم، النقاش إلى الواجهة حول التعديلات الجديدة التي عرفها قانون المسطرة الجنائية، ومدى تأثيرها على أدوار الجمعيات والهيئات المدنية المهتمة بحماية المال العام ومحاربة الفساد.

وفي هذا السياق، كشف رضوان دليل، الممثل القانوني للهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب، في تصريح خص به جريدة ماب ميديا، أن جزءا كبيرا من الجدل الذي رافق قرار الحفظ يعود إلى عدم استيعاب التحولات القانونية التي جاء بها القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية، والذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 22 يوليوز 2025.

وأوضح المتحدث أن المادتين 3 و7 من القانون الجديد أعادتا رسم خريطة الاختصاصات المتعلقة بالجرائم الماسة بالمال العام، وسحبتا بشكل صريح إمكانية تحريك المتابعات القضائية مباشرة من طرف الجمعيات والهيئات المدنية، بعدما كان هذا الأمر معمولا به خلال السنوات الماضية.

وأكد دليل أن التعديل الجديد منح اختصاص تحريك الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في الجرائم المتعلقة بالمال العام بشكل حصري للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض الأستاذ هشام بلاوي بصفته رئيسا للنيابة العامة، وذلك بناء على إحالات أو تقارير صادرة عن مؤسسات رقابية محددة قانونا.

وبموجب المقتضيات الجديدة، أصبحت الجهات المخول لها قانونا إحالة ملفات تتعلق بشبهات تبديد أو اختلاس المال العام تتمثل في المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية، والمفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، والمفتشيات العامة للوزارات، إضافة إلى الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

ويرى الممثل القانوني للهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب أن هذا المستجد التشريعي يفسر بشكل كبير القرار الذي اتخذته النيابة العامة بالجديدة بحفظ الشكاية المقدمة من طرف الهيئات الحقوقية، باعتبار أن الجهة التي وضعت الشكاية لم تعد تتوفر، وفق النص القانوني الجديد، على الصفة القانونية التي كانت تخول لها سابقا تحريك هذا النوع من الملفات.

وأضاف أن العديد من الفاعلين الجمعويين ما زالوا يتعاملون مع مقتضيات قانونية تم تجاوزها بعد دخول التعديلات الجديدة حيز التنفيذ، في حين أن المشرع حصر حاليا مسطرة تحريك ملفات المال العام في المؤسسات الرقابية المختصة التي تتوفر على آليات الافتحاص والتدقيق المالي والإداري.

وبخصوص الشكاية التي أثارت الجدل بإقليم الجديدة، والمتعلقة بتصريحات برلماني تحدث فيها عن وجود شبهات تبديد ما يقارب 50 مليار سنتيم، أوضح دليل أن المسار القانوني السليم لم يكن يتمثل في التوجه مباشرة إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية، وإنما في توجيه المعطيات والوثائق المتوفرة إلى إحدى المؤسسات الرقابية المخول لها قانونا البحث والتدقيق في مثل هذه الادعاءات.

وأكد أن المجلس الأعلى للحسابات أو المفتشية العامة للإدارة الترابية أو المفتشية العامة للمالية أو الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، هي الجهات التي كان بإمكانها دراسة المعطيات وإجراء التحريات والافتحاصات اللازمة قبل اتخاذ قرار الإحالة على النيابة العامة المختصة عند الاقتضاء.

وشدد المتحدث على أن التعديلات الجديدة لم تلغ دور المجتمع المدني بشكل نهائي في قضايا حماية المال العام، لكنها غيرت طبيعة هذا الدور، حيث انتقلت الجمعيات من مرحلة تحريك الدعوى العمومية إلى مرحلة التبليغ والترافع وتتبع الملفات وتقديم المعطيات للجهات المختصة.

وفي مقابل ذلك، يرى عدد من الفاعلين الحقوقيين أن هذه التعديلات قلصت من أدوار المجتمع المدني في محاربة الفساد، معتبرين أنها حدت من قدرة الجمعيات على المساهمة المباشرة في كشف التجاوزات المرتبطة بتدبير المال العام، بينما يعتبر مؤيدو التعديل أن المقتضيات الجديدة تهدف إلى ضمان معالجة الملفات المالية الحساسة بناء على تقارير وخبرات مؤسساتية متخصصة بعيدا عن أي توظيف سياسي أو صراعات ظرفية.

وتبقى قضية الشكاية التي تم حفظها بالجديدة واحدة من أولى الملفات التي سلطت الضوء على الانعكاسات العملية للتعديلات الجديدة لقانون المسطرة الجنائية، والتي يبدو أنها دشنت مرحلة جديدة في كيفية التعامل مع ملفات المال العام بالمغرب، عنوانها الرئيسي انتقال المبادرة من الجمعيات والهيئات المدنية إلى المؤسسات الرقابية الرسمية المخول لها قانونا إجراء الأبحاث والافتحاصات قبل تحريك المتابعات القضائية.

وبين مؤيد يعتبر هذه التعديلات خطوة نحو تعزيز التخصص والنجاعة القانونية، ومعارض يرى فيها تضييقا على أدوار المجتمع المدني، يظل المؤكد أن فهم المقتضيات الجديدة أصبح ضرورة ملحة لكل الفاعلين الحقوقيين والجمعويين الراغبين في الاستمرار في الدفاع عن مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية المال العام وفق المساطر التي أقرها المشرع المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.