الإعلام الوطني والشباب المغربي.. فجوة تحتاج إلى جسر

map media

يطرح حضور الشباب المغربي في الإعلام العمومي سؤالا متزايد الأهمية، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي جعلت منصات مثل تيك توك ويوتيوب فضاءات أساسية للتعبير والتفاعل،بينما تواجه القنوات الوطنية تحديا حقيقيا للحفاظ على صلتها بجيل واسع من المغاربة.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية أكبر بالنظر إلى الوزن الديمغرافي للشباب،إذ تتراوح أعمار أكثر من 30 في المائة من المغاربة بين 15 و29 سنة، ما يجعل حضور هذه الفئة في الإعلام العمومي جزءا من النقاش حول طبيعة الخدمة الإعلامية المقدمة للمجتمع ومدى قدرتها على مواكبة تطلعاته وتحولاته.

وفي المقابل، يبدو حضور الشباب في عدد من البرامج الوطنية محدودا وموسميا، وغالبا ما يرتبط بتغطية فعاليات أو مناسبات معينة، بدل أن يتحول إلى حضور دائم يتيح مناقشة قضاياهم وانتظاراتهم بشكل معمق.

كما يظهر الشاب المغربي في كثير من التغطيات باعتباره موضوعا لمشكلات اجتماعية، مثل البطالة أو الإدمان أو الهجرة غير النظامية، بينما يحظى حضور أقل باعتباره خبيرا أو مبتكرا أو صاحب مشروع ومبادرة، وهو ما يساهم في تكريس صورة نمطية لا تعكس بالضرورة تنوع تجارب الشباب المغربي.

و تظل مجموعة من المواضيع حاضرة بشكل متكرر في تناول قضايا الشباب،من بينها المخدرات والهجرة غير النظامية وكرة القدم،في وقت تحتاج فيه هذه الفئة إلى فضاءات إعلامية تناقش أيضا قضايا المقاولة والتكنولوجيا والثقافة والذكاء الاصطناعي والتعليم وسوق الشغل والهوية والتحولات الاجتماعية.

ويبرز هنا سؤال جوهري يتعلق بقدرة الإعلام العمومي على أداء دوره في خدمة مختلف مكونات المجتمع، خاصة أن القنوات الوطنية تستفيد من موارد عمومية،ما يجعل مواكبة انتظارات الشباب جزءا من مسؤوليتها تجاه الجمهور،وليس مجرد خيار برامجي أو ترف إعلامي.

و يمكن لبرامج جادة تناقش قضايا الشباب أن تساهم في بناء جسور الثقة بين هذه الفئة والمؤسسات،خصوصا عندما تمنحها فرصة التعبير عن مخاوفها وطموحاتها وانتقاداتها بشكل مسؤول، بعيدا عن التنميط أو التعامل معها باعتبارها مجرد متلق سلبي.

ولا يقل أهمية عن ذلك إبراز النماذج الشبابية الناجحة،فالمغرب يضم مخترعين وأصحاب مقاولات ناشئة وفنانين وفاعلين جمعويين ورياضيين وباحثين،ويمكن للإعلام العمومي أن يساهم في التعريف بتجاربهم وتحويل قصص نجاحهم إلى نماذج ملهمة لشباب آخرين.

وفي هذا الإطار،تبرز الحاجة إلى تطوير برامج حوارية أسبوعية تستضيف شبابا من مجالات مختلفة، من السياسة والمجتمع المدني إلى المقاولة والجامعة والثقافة، لمناقشة قضايا الشغل وغلاء المعيشة والهوية والعلاقات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي وغيرها من الملفات التي تشغل هذه الفئة.

كما يمكن الانتقال من برامج تشخيص المشكلات إلى برامج تبحث عن الحلول، من خلال استضافة أصحاب المبادرات والمشاريع الشبابية ومناقشة أفكارهم وتجاربهم،بما يجعل الإعلام فضاء لاكتشاف المبادرات ودعم النقاش العمومي حولها.

وبالتوازي مع ذلك، يفرض التحول الرقمي اعتماد صيغ أكثر تفاعلية،عبر إشراك الجمهور الشاب في البث المباشر واستقبال أسئلته وتعليقاته وتنظيم استطلاعات للرأي عبر المنصات الرقمية،بما يسمح للقنوات الوطنية بالاقتراب أكثر من عادات استهلاك المحتوى لدى الجيل الجديد.

ويبقى التحدي الأكبر أمام الإعلام الوطني هو الانتقال من مجرد مخاطبة الشباب إلى إشراكه فعليا في صناعة المحتوى والنقاش العام،لأن الجيل الذي وجد في المنصات الرقمية فضاء للتعبير لن ينتظر طويلا إذا لم يجد مكانا لصوته داخل الإعلام العمومي.

وفي النهاية، لا يتعلق الرهان بحضور الشباب في البرامج التلفزيونية فحسب،بل بقدرة الإعلام الوطني على الحفاظ على صلته بجيل جديد يتغير بسرعة، وعلى تقديم صورة أكثر تنوعا وواقعية عن طموحاته ومخاوفه ومبادراته.فالسؤال الحقيقي ليس فقط من يشاهد التلفزيون،وإنما ما إذا كان هذا الشباب يرى نفسه فعلا في مرآة الإعلام الوطني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.