الحكومة المغربية الجديدة تحت مجهر الصحافة الفرنسية.. تجديد الوجوه واختبار الثقة ورهانات الإصلاح

ماب ميديا

الحكومة المغربية الجديدة تحت مجهر الصحافة الفرنسية.. تجديد الوجوه واختبار الثقة ورهانات الإصلاح
بقلم الأستاذ محمد عيدني – الرباط
قراءة في تناول «لوموند» وTV5MONDE للتشكيلة الحكومية الجديدة وتحديات المرحلة المقبلة
أعاد تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، في أكتوبر الجاري، النقاش حول طبيعة التحولات السياسية التي تعرفها المملكة، وحدود التجديد في تدبير الشأن العام، ومدى قدرة المؤسسات التنفيذية على الاستجابة لانتظارات المواطنين في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والتنمية المجالية.
وقد حظي هذا التطور باهتمام وسائل إعلام فرنسية، في مقدمتها صحيفة «لوموند» وقناة TV5MONDE، اللتان تناولتا ملامح التشكيلة الحكومية الجديدة، وتركيبتها السياسية، وحضور النساء فيها، فضلاً عن استمرار عدد من الوزراء في مناصبهم السابقة، مقابل إسناد قطاعات أخرى إلى وجوه جديدة.
ويكتسب هذا الاهتمام أهمية خاصة بالنظر إلى العلاقات التاريخية والسياسية والاقتصادية التي تجمع المغرب بفرنسا، وإلى المكانة التي تحتلها المملكة في حسابات باريس الإقليمية، سواء في المجال الاقتصادي أو الأمني أو في ملفات التعاون الإفريقي والمتوسطي.
غير أن أهمية التغطية الفرنسية لا تكمن فقط في نقل أسماء الوزراء أو إبراز التغييرات التي عرفتها الحقائب الحكومية، بل في الأسئلة التي تثيرها بشأن قدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من تدبير الملفات اليومية إلى تنفيذ إصلاحات ملموسة يشعر المواطن المغربي بنتائجها في حياته الاقتصادية والاجتماعية.
«لوموند» تقرأ التشكيلة الحكومية من زاوية التجديد والاستمرارية
في تقرير نشرته يوم 17 أكتوبر 2026، تناولت صحيفة «لوموند» تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، مشيرة إلى أن عدداً مهماً من أعضائها سبق أن تولى مسؤوليات حكومية، وهو ما يطرح، وفق القراءة التي قدمتها الصحيفة، سؤالاً حول حدود التغيير الذي جاءت به التشكيلة الجديدة.
كما سلطت الصحيفة الضوء على موقع النساء داخل البنية الحكومية، معتبرة أن حضورهن في التشكيلة الجديدة يثير نقاشاً بشأن مكانتهن في هرم المسؤولية التنفيذية.
ومن جانبها، تناولت TV5MONDE، في تقرير نشرته يوم 16 أكتوبر، ملامح الحكومة الجديدة، وعدد أعضائها، والأحزاب المشاركة فيها، والقطاعات التي شهدت تغييرات أو احتفظت بمسؤوليها السابقين.
وتكشف هذه التغطية عن اهتمام الإعلام الفرنسي بمدى قدرة الحكومة المغربية على الجمع بين الاستمرارية الإدارية والتجديد السياسي، خصوصاً في مرحلة تتزايد فيها انتظارات المواطنين بشأن جودة الخدمات العمومية، وتكافؤ الفرص، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه القراءات باعتبارها اجتهادات صحفية وتحليلات سياسية، لا أحكاماً نهائية على أداء الحكومة، الذي لا يمكن تقييمه بصورة موضوعية قبل ظهور نتائج عملها وتنفيذ برنامجها.
حكومة جديدة أمام انتظارات اجتماعية متزايدة
لا تتحدد أهمية أي حكومة بعدد الوزراء أو بالأسماء التي تتصدر التشكيلة، بل بقدرتها على تحويل الالتزامات السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ، ومؤشرات واضحة يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي الحالة المغربية، تواجه الحكومة الجديدة مجموعة من الملفات التي تتطلب تدبيراً متوازناً، في مقدمتها التشغيل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الاستثمار المنتج.
فالشباب ينتظرون فرصاً حقيقية للاندماج في سوق الشغل، والأسر تتطلع إلى خدمات صحية وتعليمية أكثر جودة، فيما تحتاج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى بيئة اقتصادية تشجع المبادرة وتيسر الولوج إلى التمويل والأسواق.
وتفرض هذه التحديات على الحكومة اعتماد سياسات عمومية واضحة الأولويات، تتجاوز الإعلان عن المشاريع إلى تحديد آجال التنفيذ، وتعبئة الموارد المالية والبشرية، وإرساء آليات فعالة للتتبع والتقييم.
كما أن نجاح الإصلاحات لا يرتبط بالقرارات المركزية وحدها، بل يتطلب تنسيقاً بين الحكومة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
فالتنمية المستدامة لا تتحقق بمجرد إطلاق البرامج، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الفئات المستهدفة، وتقليص الفوارق بين المناطق، وتحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين.
حضور النساء في الحكومة.. سؤال التمثيلية والفاعلية
من بين النقاط التي أثارت اهتمام الصحافة الفرنسية محدودية عدد النساء داخل التشكيلة الحكومية الجديدة مقارنة بعدد أعضاء الحكومة الإجمالي.
ووفقاً لما أوردته TV5MONDE، ضمت التشكيلة الجديدة ست نساء إلى جانب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وهو معطى أعاد النقاش حول موقع المرأة في مراكز القرار التنفيذي إلى الواجهة.
ولا يقتصر تقييم التمثيلية النسائية على عدد الحقائب الوزارية أو طبيعة الأسماء التي تتولاها، بل يمتد إلى مستوى المسؤوليات المسندة، ومدى حضور النساء في القطاعات التي تؤثر بصورة مباشرة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن تعزيز مشاركة النساء في تدبير الشأن العام يرتبط بتطوير آليات تكافؤ الفرص، وتوسيع قاعدة الكفاءات، وإزالة العوائق التي تحد من وصولهن إلى مواقع المسؤولية.
ومن منظور مؤسساتي، فإن توسيع المشاركة النسائية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره استجابة لمطلب تمثيلي فحسب، بل باعتباره جزءاً من تطوير الحكامة وتحسين جودة القرار العمومي.
وتظل العبرة في نهاية المطاف بمدى قدرة المسؤولين، نساءً ورجالاً، على تقديم نتائج ملموسة، واحترام معايير الكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الاستمرارية الحكومية.. رصيد من الخبرة أم عائق أمام التغيير؟
إن استمرار عدد من الوزراء في مناصبهم، أو انتقال بعضهم إلى قطاعات أخرى، يفتح النقاش حول العلاقة بين الاستقرار الإداري والتجديد السياسي.
فمن جهة، قد تتيح الاستمرارية الحفاظ على الخبرة المتراكمة، وتجنب تعطيل المشاريع الجارية، وضمان انتقال سلس بين مراحل تنفيذ السياسات العمومية.
ومن جهة أخرى، فإن تجديد الوجوه والآليات يظل ضرورياً عندما يتعلق الأمر بقطاعات لم تحقق النتائج المنتظرة، أو عندما تتطلب المرحلة أساليب جديدة في التدبير والتواصل واتخاذ القرار.
ولا يمكن الحسم في أي من الخيارين بمعزل عن طبيعة القطاع المعني، وحجم التحديات التي يواجهها، ومستوى الأداء الذي تحقق خلال السنوات السابقة.
ولهذا، فإن المعيار الأساسي لتقييم التشكيلة الجديدة ينبغي أن يكون قدرتها على تحسين الأداء الحكومي، وليس مجرد عدد الوزراء الذين غادروا مناصبهم أو احتفظوا بها.
كما أن تجديد المسؤوليات يكتسب قيمته حين يقترن بتحديد الأهداف، وتوضيح الاختصاصات، وتوفير الإمكانات الضرورية، وإخضاع البرامج لتقييم دوري يسمح بتصحيح الاختلالات.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.. رهان على تحديث الإدارة
من بين المستجدات التي برزت في التشكيلة الحكومية الجديدة إحداث قطاع وزاري يعنى بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية التكنولوجيا في تحديث المرافق العمومية، وتبسيط المساطر، وتحسين جودة الخدمات، وتطوير الاقتصاد الرقمي.
لكن إحداث قطاع وزاري جديد لا يشكل، في حد ذاته، ضمانة لنجاح التحول الرقمي؛ إذ يتطلب الأمر استراتيجية واضحة، وبنية تحتية ملائمة، وتأهيلاً للموارد البشرية، وحماية للمعطيات الشخصية، وتنسيقاً بين مختلف الإدارات والمؤسسات.
كما أن توظيف الذكاء الاصطناعي في الخدمات العمومية ينبغي أن يقوم على مبادئ الشفافية والمسؤولية، مع ضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى عامل جديد للإقصاء الرقمي، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات الإلكترونية.
وتظل النتيجة المنتظرة من هذا الورش هي إدارة أكثر كفاءة، ومساطر أقل تعقيداً، وخدمات أسرع وأكثر إنصافاً للمواطنين والمقاولات.
المالية العمومية والاستثمار.. اختبار القدرة على الإنجاز
يشكل تدبير المالية العمومية أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة الجديدة، بالنظر إلى ارتباطه بتمويل البرامج الاجتماعية، وتطوير البنية التحتية، ودعم الاستثمار، والمحافظة على التوازنات الاقتصادية.
وقد حظي تعيين فوزي لقجع على رأس وزارة الاقتصاد والمالية باهتمام الصحافة الفرنسية، بالنظر إلى انتقاله من مسؤولية الميزانية إلى تدبير القطاع المالي في مرحلة تتطلب تعبئة الموارد وتحديد الأولويات.
ويظل الرهان الأساسي هو تحقيق التوازن بين تمويل البرامج الاجتماعية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتحسين فعالية الإنفاق العمومي، مع الحرص على استدامة المالية العامة.
كما يتطلب تطوير الاستثمار تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتسريع إنجاز المشاريع، وتوسيع فرص التمويل أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
ولا يقاس نجاح السياسة المالية بحجم الاعتمادات المرصودة وحده، بل بنسبة تحويلها إلى مشاريع منجزة، وبمدى مساهمتها في خلق فرص الشغل وتحسين الخدمات وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
مونديال 2030.. فرصة تنموية ومسؤولية مؤسساتية
تواجه الحكومة الجديدة أيضاً مسؤولية مواصلة الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
ويمثل هذا الاستحقاق فرصة لتطوير البنية التحتية، وتحديث النقل والمرافق السياحية، وتحسين الخدمات، وتعزيز جاذبية المغرب الاستثمارية والسياحية.
غير أن الأثر الإيجابي لهذا الحدث سيظل مرتبطاً بمدى قدرة السياسات العمومية على ضمان استفادة الاقتصاد الوطني والمناطق المعنية من الاستثمارات الموجهة إليه.
فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى تخطيط محكم، واحترام الآجال، ومراقبة جودة الإنجاز، وضمان الشفافية في تدبير الصفقات والموارد.
كما ينبغي أن تنعكس الاستعدادات للمونديال على الحياة اليومية للمواطنين، من خلال تطوير خدمات النقل والصحة والنظافة والتجهيزات الرياضية، بدل حصر نتائجها في البنيات المخصصة للحدث وحده.
وبذلك، يصبح تنظيم كأس العالم رافعة للتنمية المستدامة، وليس مجرد موعد رياضي عابر.
العلاقات المغربية الفرنسية.. سياق يتجاوز التغطية الصحفية
تكتسب متابعة الصحافة الفرنسية للتطورات الحكومية المغربية أهمية إضافية بالنظر إلى العلاقات المتشعبة بين الرباط وباريس، والتي تشمل الاقتصاد والاستثمار والتعليم والثقافة والأمن والتعاون الإفريقي.
وقد شهدت العلاقات الثنائية خلال سنة 2026 مؤشرات على استمرار التقارب السياسي، كما تناولت TV5MONDE في يوليو تصريحات لرئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو بشأن إيجابية حصيلة العلاقات بين البلدين.
لكن الشراكة الثنائية لا تعني تطابق المواقف في جميع الملفات، كما أن التغطية الإعلامية الفرنسية قد تختلف من مؤسسة إلى أخرى تبعاً لزاوية المعالجة وخلفية التحليل.
ومن هنا، فإن التعامل مع ما تنشره الصحافة الفرنسية يستوجب الانفتاح على مختلف الآراء، والاستفادة من المعطيات التي تقدمها، مع الاحتفاظ بالقدرة على التحليل المستقل وربط الأخبار بالسياق المغربي.
فالمهم ليس البحث عن عناوين إيجابية أو سلبية فحسب، بل فهم كيفية قراءة الشركاء الأوروبيين للتحولات التي يعرفها المغرب، وما يترتب عن ذلك من فرص وتحديات في العلاقات الاقتصادية والسياسية.
قراءة مهنية: الحكومة تُقيَّم بالنتائج لا بالعناوين
إن تشكيل حكومة جديدة يمثل بداية مرحلة سياسية وإدارية، لكنه لا يشكل في حد ذاته دليلاً على النجاح أو الفشل.
فالتقييم الموضوعي يحتاج إلى برنامج حكومي واضح، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات للمحاسبة، وقدرة على التواصل مع المواطنين بشأن ما تحقق وما تعذر تحقيقه وأسباب ذلك.
كما أن المسؤولية الحكومية تقتضي التنسيق بين القطاعات، وتجاوز منطق العمل المنعزل، وضمان انسجام القرارات الاقتصادية والاجتماعية.
وتبقى المؤسسات الرقابية والبرلمان والمجتمع المدني ووسائل الإعلام عناصر أساسية في متابعة الأداء الحكومي، وطرح الأسئلة، ومساءلة المسؤولين عن نتائج السياسات العمومية.
ومن هذا المنطلق، فإن التغطية الصحفية المهنية لا ينبغي أن تكتفي بتعداد الوزراء أو رصد التغييرات في الحقائب، بل يتعين عليها متابعة تنفيذ الالتزامات، وقياس أثر القرارات، وتقديم صورة دقيقة للرأي العام.
فالمواطن لا ينتظر فقط معرفة من يتولى الوزارة، بل يريد أن يعرف ما الذي تغير في المدرسة والمستشفى والإدارة وسوق الشغل، وكيف تنعكس القرارات الحكومية على معيشه اليومي.
خاتمة: الرهان الحقيقي يبدأ بعد تشكيل الحكومة
تكشف قراءة التغطية الفرنسية لتشكيل الحكومة المغربية الجديدة عن اهتمام يتجاوز البنية التنظيمية للتشكيلة إلى طبيعة الإصلاحات المنتظرة، ومدى قدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين الاستمرارية والتجديد.
وبين الملاحظات المتعلقة بالتمثيلية النسائية، واستمرار بعض الوزراء، وإحداث قطاعات جديدة، يظل الاختبار الحاسم هو قدرة الحكومة على ترجمة التزاماتها إلى نتائج ملموسة في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعية وتحديث الإدارة.
إن المغرب يمتلك فرصاً مهمة لتعزيز موقعه الاقتصادي والإقليمي، غير أن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب مستدامة يتطلب حكامة فعالة، وتنسيقاً مؤسساتياً، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراكاً حقيقياً للمواطنين في تقييم السياسات العمومية.
أما الصحافة، المغربية منها والفرنسية، فتتحمل مسؤولية مواكبة هذه المرحلة بموضوعية واستقلالية، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بالعناوين المثيرة.
فالحكومة لا تُقاس بما يقال عنها في الأيام الأولى لتشكيلها، بل بما تحققه خلال ولايتها من إصلاحات وإنجازات، وبقدرتها على الاستجابة لانتظارات المجتمع وتعزيز الثقة في المؤسسات.
بقلم الأستاذ محمد عيدني
الرباط
المصادر المرجعية: صحيفة «لوموند»، 17 أكتوبر 2026؛ وقناة TV5MONDE، 16 أكتوبر 2026، بشأن تشكيل الحكومة المغربية الجديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.