اختفاء أجواء العيد.. هل تغيّر المجتمع أم تغيّرت القيم؟

بقلم: محمد عيدني

أبانت أجواء عيد الأضحى لهذه السنة عن مجموعة من التحولات الاجتماعية والسلوكية التي أصبحت تفرض نفسها بقوة داخل المجتمع المغربي، في ظل تراجع واضح لروح المناسبة الدينية وارتفاع منسوب الفوضى والمضاربة داخل أسواق بيع الأضاحي.

فبدل أن تتحول هذه المناسبة إلى محطة للتقرب إلى الله وفق الضوابط الشرعية والقيم الإنسانية النبيلة، أصبحت عند بعض الفئات مرتبطة فقط بضرورة اقتناء الأضحية بأي ثمن، حتى وإن كانت لا تستجيب للشروط التي أوصى بها الدين الإسلامي.

وقد لوحظ هذه السنة انتشار بيع أضاحٍ صغيرة السن، بعضها لا يتجاوز ستة أشهر، إضافة إلى ذبح نعاج بشكل عشوائي، في مشاهد أثارت استياء عدداً من المواطنين والمتتبعين للشأن الديني والاجتماعي. وهو ما يعكس، بحسب متابعين، تراجع الوعي الديني المرتبط بشروط الأضحية ومقاصدها، مقابل تنامي منطق الاستهلاك والمظاهر الاجتماعية التي أصبحت تتحكم في سلوك عدد من الأسر خلال هذه المناسبة.

وفي مدينة فاس، التي تُعد من المدن المغربية العريقة المرتبطة بتقاليد وأسواق عيد الأضحى، عاشت عدة فضاءات مخصصة لبيع الأغنام حالة من الارتباك والتخوف، خاصة وسط “الكسابة” الذين أبدوا تخوفهم من الفوضى والمضاربات التي باتت ترافق عمليات البيع والشراء. هذا الوضع دفع عدداً من الباعة إلى عرض الأضاحي داخل السيارات أو على جنبات الطرق، بعيداً عن الأسواق التقليدية، خوفاً من الخسائر أو من تحكم الوسطاء والسماسرة في السوق.

كما ساهم انتشار “الشناقة” في رفع الأسعار بشكل لافت، حيث تحولت بعض الأسواق إلى فضاءات للمضاربة والاحتكار، ما أثّر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً الأسر ذات الدخل المحدود. ولم يعد المواطن البسيط يبحث عن الأضحية المناسبة فقط، بل أصبح يواجه ضغوطاً اجتماعية ونفسية فرضتها المظاهر والتنافس الاستهلاكي، في وقت تعرف فيه الأوضاع الاقتصادية تحديات متزايدة.

ومن جهة أخرى، يرى عدد من المهتمين بالشأن الاجتماعي أن أجواء العيد فقدت الكثير من ملامحها التقليدية التي كانت قائمة على التضامن وصلة الرحم والتكافل الاجتماعي. فالقيم الإنسانية التي كانت تُميز هذه المناسبة بدأت تتراجع أمام انتشار السلوك الفردي واللهفة المفرطة على اقتناء الأضحية، حتى ولو كان ذلك على حساب الجودة أو الالتزام بالشروط الشرعية.
إن ما عرفه عيد الأضحى هذه السنة يطرح تساؤلات حقيقية حول ضرورة إعادة الاعتبار لثقافة الوعي الديني والاستهلاك المسؤول، إلى جانب تشديد مراقبة الأسواق ومحاربة المضاربة والسماسرة، حفاظاً على روح هذه الشعيرة الدينية، وصوناً لكرامة المواطن البسيط الذي أصبح يجد نفسه كل سنة في مواجهة موجة جديدة من الغلاء والفوضى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.