تُعد مدينة خنيفرة، الواقعة في قلب الأطلس المتوسط، واحدة من المدن المغربية التي تختزن مؤهلات بشرية وطبيعية مهمة، لكنها في المقابل تعيش مفارقة صارخة بين وفرة اليد العاملة وضعف فرص الشغل الكريم. فبين شباب متعلم يبحث عن فرصة تليق بتكوينه، وعمال يشتغلون لساعات طويلة بأجور هزيلة، تبرز صورة مدينة لا تزال تعاني من اختلالات تنموية عميقة تجعل أبناءها أول من يغادرها بحثاً عن مستقبل أفضل.
في عدد من القطاعات غير المهيكلة أو الصغيرة، يشتكي شباب من تشغيلهم في ظروف صعبة، تصل أحياناً إلى عشر ساعات عمل يومياً مقابل أجور لا تتجاوز 50 درهماً في اليوم، وهو ما يضعهم في وضع هش لا يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم. وفي حالات أخرى أكثر قسوة، قد لا يتعدى الأجر الشهري في كثير من الأحيان 800 درهم ، دون أي تعويضات عن العمل في العطل الأسبوعية أو الأعياد، وهو ما يعكس ضعف الرقابة وضعف احترام مدونة الشغل في بعض الأنشطة الاقتصادية المحلية، مع غياب شبه تام لمراقبة الأجور و ظروف التشغيل خصوصا في القطاعات الغير مهيكلة.
هذا الواقع لا يقتصر على الأجور فقط ، بل يتعداه إلى بنية اقتصادية محدودة لا تستوعب الكفاءات. فخنيفرة، رغم ما تتوفر عليه من طاقات بشرية مؤهلة، تعاني من غياب شبه كبير للمقاولات المتوسطة والكبيرة التي يمكن أن تشكل رافعة للتشغيل وخلق القيمة المضافة. ونتيجة لذلك، يجد العديد من حاملي الشهادات أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: البطالة أو الهجرة نحو مدن كبرى مثل الدار البيضاء و طنجة و أكادير أو خارج البلاد.
وتشير المعطيات الجهوية إلى أن جهة بني ملال–خنيفرة بشكل عام ما تزال تواجه تحديات في سوق الشغل، حيث يبقى معدل البطالة في حدود تفوق 10%، مع ضعف واضح في دينامية خلق فرص العمل القادرة على امتصاص الداخلين الجدد إلى سوق الشغل، خاصة في المناطق الداخلية والقروية التي تشكل جزءاً كبيراً من النسيج الجهوي.
الأزمة في خنيفرة لا تتعلق فقط بندرة الاستثمار، بل أيضاً بضعف تنوع النسيج الاقتصادي، الذي ما يزال يعتمد على أنشطة تقليدية لا توفر فرصاً كافية أو مستقرة. وهو ما أشار إليه فاعلون محليون، معتبرين أن محدودية خلق المقاولة وضعف جذب الاستثمارات الخاصة من أبرز العوامل التي تعمق أزمة التشغيل في المنطقة.
في المقابل، تبقى الكفاءات المحلية إحدى أكبر خسائر المدينة، حيث يغادرها الشباب المتعلم في غياب فرص مهنية حقيقية، ما يحرم الإقليم من طاقاته البشرية التي كان يمكن أن تلعب دوراً محورياً في التنمية المحلية. هذه “الهجرة الداخلية الصامتة” تؤدي إلى فراغ تنموي ينعكس على مختلف القطاعات، من الخدمات إلى الاقتصاد المحلي.
ورغم بعض المبادرات الرامية إلى تشجيع الاستثمار ودعم المقاولات الصغرى، إلا أن تأثيرها يظل محدوداً أمام حجم التحديات البنيوية، خاصة ضعف البنيات التحتية الاقتصادية وغياب مناطق صناعية قادرة على استقطاب استثمارات كبرى.
إن خنيفرة اليوم ليست فقط مدينة تعاني من ضعف التشغيل، بل مدينة تواجه سؤالاً أعمق: كيف يمكن تحويل ثروتها البشرية إلى قوة اقتصادية حقيقية بدل أن تظل مجرد طاقة معطلة أو مهاجرة؟
فبين واقع الأجور الهزيلة، وغياب المؤسسات الاقتصادية الكبرى، واستمرار هجرة الكفاءات، تظل الحاجة ملحة إلى رؤية تنموية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان ، وللشغل الكريم قبل أي رقم اقتصادي.