هيئة حقوقية تدق ناقوس الخطر: غياب الدعم الفعلي للبحث العلمي يهدد مستقبل التنمية ويعجل بهجرة الكفاءات
الجديدة – عبد الكريم زهير ماب ميديا
حذرت الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب من استمرار ما وصفته بـ”الاختلالات البنيوية العميقة” التي تعيق تطور البحث العلمي بالمملكة، معتبرة أن ضعف الدعم العمومي للباحثين والمختبرات الجامعية يشكل مساسا بأحد الحقوق الأساسية المرتبطة بالتنمية والتقدم العلمي، ويهدد مستقبل الابتكار الوطني.
وفي بيان حقوقي توصلت “ماب ميديا” بنسخة منه، أكدت الهيئة أن الحق في الاستفادة من التقدم العلمي وتطبيقاته يعد حقا إنسانيا مكفولا بموجب المواثيق الدولية، وعلى رأسها المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما يكرسه الفصل 31 من الدستور المغربي الذي يلزم الدولة بتوفير الظروف الملائمة لتشجيع البحث العلمي ودعم المبدعين والمبتكرين.
وسجلت الهيئة وجود فجوة كبيرة بين المقتضيات الدستورية والواقع العملي، مشيرة إلى أن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير بالمغرب ما تزال دون الطموحات المعلنة، وهو ما ينعكس سلبا على أداء الجامعات ومراكز البحث وعلى فرص تطوير حلول وطنية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وأضاف البيان أن العديد من المختبرات البحثية تعاني من ضعف التجهيزات وتأخر صرف الاعتمادات المالية والمنح المخصصة للمشاريع العلمية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على سير الأبحاث وعلى أوضاع طلبة الدكتوراه والباحثين الشباب.
كما انتقدت الهيئة ما اعتبرته تناميا لأشكال التشغيل الهش داخل قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال الاعتماد على صيغ تعاقدية ومؤقتة لا توفر الاستقرار المهني للباحثين، معتبرة أن هذا الوضع يساهم في إضعاف جاذبية المهنة الأكاديمية ويحد من قدرة الجامعات على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها.
وفي السياق ذاته، نبهت الهيئة إلى ما وصفته بـ”هجرة الأدمغة”، مؤكدة أن عدداً متزايداً من حاملي الشهادات العليا والباحثين يفضلون متابعة مسارهم العلمي بالخارج بسبب غياب الظروف الملائمة للبحث والإبداع داخل الوطن، وهو ما يشكل هدرا للاستثمار العمومي الذي تخصصه الدولة لتكوين هذه الكفاءات.
واعتبرت الهيئة أن انعكاسات هذا الوضع لا تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل تمتد إلى المساس بالحق في التنمية، حيث يحرم المواطن من الاستفادة من حلول علمية وطنية لمشاكل حيوية ترتبط بالماء والطاقة والصحة والصناعة والتغيرات المناخية.
وطالبت الهيئة الحكومة والبرلمان برفع ميزانية البحث العلمي تدريجيا إلى مستويات أكثر انسجاما مع الأهداف التنموية المعلنة، وإحداث صندوق وطني مخصص لدعم البحث التطبيقي الموجه لحل الإشكالات التنموية على المستوى الجهوي، مع ضمان الحكامة والشفافية في تدبير موارده.
كما دعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إلى مراجعة سياسات التشغيل داخل القطاع، وإقرار مسارات مهنية مستقرة للباحثين، فضلا عن اعتماد مؤشرات جديدة لتقييم أداء الجامعات تأخذ بعين الاعتبار براءات الاختراع والشراكات مع المقاولات الوطنية إلى جانب النشر العلمي.
وطالبت الهيئة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بإدراج الحق في البحث العلمي ضمن أولويات تقاريره السنوية، باعتباره أحد المكونات الأساسية للحق في التنمية والعدالة المعرفية.
وفي ختام بيانها، شددت الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بالمغرب على أن تحقيق أهداف المغرب في مجالات الرقمنة والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة يظل رهينا بوجود منظومة بحث علمي قوية وممولة بشكل كاف، مؤكدة أنها ستواصل الترافع من أجل توفير بيئة علمية قادرة على إنتاج المعرفة وخدمة المجتمع.