نظرية الاستعداد الحزبي وتحقيق المشروع المجتمعي.. قراءة في تصور الدكتور مصطفى بلعوني
متابعة: عبد الكريم زهير – جريدة ماب ميديا
يرى الدكتور مصطفى بلعوني، الباحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية والتاريخ الاجتماعي المعاصر، أن نجاح الأحزاب السياسية في تحقيق المشاريع المجتمعية الكبرى لا يرتبط فقط بالمشاركة في الانتخابات أو تدبير الشأن العام، بل يستوجب ما يسميه بـ”نظرية الاستعداد”، باعتبارها مدخلا أساسيا لبناء حزب قادر على التأثير في المجتمع وصناعة القرار.
ويؤكد بلعوني أن فكرة الاستعداد الحزبي تعود جذورها إلى مرحلة تاريخية مفصلية عرفها العالم العربي والإسلامي خلال بدايات القرن العشرين، حين دفعت الصدمة الحضارية الناتجة عن التفوق الأوروبي والاستعمار الإمبريالي عددا من المفكرين والزعماء الوطنيين إلى تنظيم العمل السياسي في إطار أحزاب وحركات تحررية هدفت إلى الدفاع عن الهوية والحضارة الإسلامية ومواجهة الاحتلال.
وفي هذا السياق، يبرز الباحث دور الحركة الوطنية المغربية، وعلى رأسها الزعيم الراحل علال الفاسي، الذي عمل على بلورة مشروع فكري وسياسي يستند إلى السلفية الوطنية المتجددة، ويهدف إلى تحقيق الإصلاح المجتمعي ومواجهة التحديات الفكرية والسياسية التي فرضتها المرحلة الاستعمارية.
ويعتبر بلعوني أن الأحزاب السياسية لم تكن مجرد أدوات انتخابية، بل شكلت مؤسسات للتأطير والتكوين وإنتاج الأفكار، حيث اعتمدت هياكل تنظيمية سرية وعلنية، وأرست منظومات فكرية وإيديولوجية قائمة على الوسطية الإسلامية والتعادلية الاقتصادية والاجتماعية، بهدف تحقيق التوازن داخل المجتمع ومحاربة مختلف أشكال الاستلاب والتبعية.
ويطرح الباحث سؤالا محوريا: كيف يمكن للأحزاب السياسية اليوم أن تستعد لتحقيق مشروع مجتمعي شامل ومستدام يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية ويستثمر الإمكانات الوطنية، بما فيها الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الأزرق؟
ويجيب بأن نظرية الاستعداد تقوم على ثلاثة أبعاد أساسية؛ أولها الاستعداد الفكري القائم على امتلاك رؤية واضحة وبرنامج سياسي متماسك قادر على استيعاب المتغيرات الوطنية والدولية، وثانيها الاستعداد الأخلاقي الذي يضمن الانضباط السلوكي وترسيخ قيم النزاهة والشفافية والمسؤولية، وثالثها الاستعداد التنظيمي الذي يسمح بالتعبئة والتأطير والحشد لخدمة الصالح العام.
كما يشدد بلعوني على ضرورة أن تمتلك الأحزاب استقلالية استراتيجية ومعرفية تمكنها من التحكم في أدوات التخطيط والتكوين وإعداد الكفاءات القادرة على المساهمة في تدبير الأزمات وإيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المجتمع.
ومن بين العناصر التي يراها الباحث ضرورية لإنجاح المشروع المجتمعي، بناء نخب حزبية مؤهلة تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على التواصل مع المواطنين، إلى جانب تطوير أساليب العمل الحزبي عبر الانتقال من البنيات البيروقراطية التقليدية إلى تنظيمات أكثر مرونة تعتمد لجان العمل واليقظة وشبكات التواصل التنظيمي العمودي والأفقي.
ويؤكد أن الخطاب السياسي الناجح يجب أن يقوم على المصداقية والتطابق بين القول والفعل، مع تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، واحترام الدستور والمواثيق الوطنية، واعتماد النقد البناء والشفافية في تدبير الشأن السياسي.
ويخلص الدكتور مصطفى بلعوني إلى أن تحقيق أي مشروع مجتمعي رهين بمدى قدرة الأحزاب السياسية على بناء الثقة مع المواطنين، وتأهيل أطرها، واستثمار الوسائل الحديثة في التكوين والتعبئة والتواصل، حتى تصبح قادرة على مواكبة رهانات التنمية والدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، والمساهمة الفعلية في بناء دولة الحق والقانون وترسيخ قيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية.