الجديدة.. “العشابة العشوائيون” يعبثون بصحة المواطنين وسط صمت مقلق للجهات الوصية

-متابعة ماب ميديا-

 

أعادت واقعة التسمم الخطيرة التي تعرض لها أحد المواطنين بمدينة الجديدة، بعد تناوله خلطات عشبية مجهولة المصدر من محل للتداوي بالأعشاب بحي السلام، فتح ملف خطير ظل لسنوات يتحرك في المنطقة الرمادية بين “الطب البديل” و”الفوضى التجارية” التي تهدد صحة المواطنين بشكل مباشر.

 

 

الحادث، الذي استدعى نقل الضحية بشكل مستعجل إلى مصحة خاصة لتلقي الإسعافات الضرورية، ليس حالة معزولة أو حادثاً عرضياً يمكن المرور عليه بصمت، بل مؤشر خطير على تنامي ظاهرة “العشابة العشوائيين” الذين حولوا معاناة المرضى وآلام البسطاء إلى سوق مفتوحة للربح السريع، خارج أي مراقبة طبية أو قانونية أو صحية.

 

المثير للقلق أن عدداً من هؤلاء الأشخاص يقدمون أنفسهم بألقاب توحي بالثقة والخبرة، من قبيل “الأستاذ” أو “المعالج”، في حين أن الواقع يكشف في كثير من الأحيان غياب أي تكوين علمي أو ترخيص قانوني يخول لهم خلط الأعشاب أو وصفها للناس وكأنهم أطباء متخصصون.

 

الخطورة لا تكمن فقط في بيع الأعشاب، فالأعشاب الطبيعية في حد ذاتها ليست خطراً دائماً، بل في طريقة خلطها وترويجها واستعمالها بشكل عشوائي، دون معرفة بالتفاعلات الكيميائية أو الجرعات أو الحالة الصحية للزبون. فبعض هذه الخلطات قد تتحول إلى سموم حقيقية تهدد الكبد والكليتين والقلب، وقد تؤدي إلى مضاعفات قاتلة، خاصة حين يتم تسويقها على أنها “علاج مضمون” لأمراض مزمنة وخطيرة.

 

المؤسف أن هذه المحلات تنتشر بشكل لافت داخل الأحياء الشعبية، مستفيدة من ضعف الوعي الصحي لدى بعض المواطنين، وارتفاع تكاليف العلاج، وطول مواعيد المستشفيات، لتتحول إلى بديل خطير يبيع الوهم تحت غطاء “الطب الطبيعي”.

 

وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن تتحرك لجان المراقبة والشرطة الإدارية والمصالح الصحية بشكل صارم، يبدو أن العديد من هذه المحلات تشتغل في وضع مريب، دون مراقبة فعلية لتركيبة المواد المعروضة أو ظروف تخزينها أو مدى احترامها للضوابط القانونية والصحية.

 

الأخطر من ذلك أن بعض “العشابة” أصبحوا يمارسون تشخيص الأمراض ووصف “علاجات” لأمراض خطيرة كداء السكري والسرطان والعقم والضغط الدموي، في تجاوز واضح للقانون واستخفاف خطير بأرواح الناس، مستغلين هشاشة بعض المرضى النفسية ورغبتهم في التعلق بأي أمل للعلاج.

 

اليوم، لم يعد الأمر يتعلق بمحل هنا أو حالة تسمم هناك، بل بظاهرة تستدعي تدخلاً عاجلاً وحازماً قبل أن تتحول هذه المحلات إلى قنابل صحية موقوتة داخل الأحياء السكنية.

 

إن حماية صحة المواطنين لا تحتمل المجاملة أو التساهل، وهو ما يفرض على السلطات المحلية والمصالح الصحية والأجهزة الرقابية فتح تحقيقات جدية، وإخضاع هذه المحلات لمراقبة صارمة، مع إغلاق كل محل يشتغل خارج القانون أو يروج مواد مجهولة المصدر.

 

 

كما أن المسؤولية تقع أيضاً على عاتق المجتمع المدني ووسائل الإعلام، من أجل تكثيف حملات التوعية بمخاطر التداوي العشوائي، والتأكيد على أن العلاج مسؤولية طبية لا يمكن أن يتحول إلى تجارة مفتوحة في يد أشخاص يفتقدون للكفاءة والترخيص.

 

فما وقع بمدينة الجديدة ليس مجرد حادث معزول، بل جرس إنذار حقيقي يكشف حجم الفوضى التي باتت تهدد الصحة العامة تحت لافتة “الأعشاب الطبيعية”، في وقت أصبح فيه المواطن البسيط الحلقة الأضعف بين غلاء العلاج وجشع المتاجرين بآلام المرضى.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.