احتضن المركب الثقافي بمدينة الفقيه بن صالح، يوم الإثنين 18 ماي 2026، أشغال يوم دراسي وازن خصص لمناقشة موضوع: “الهجرة والتنمية الترابية: من التشخيص التشاركي إلى بناء نموذج ترابي لإدماج المهاجر”، في خطوة أكاديمية وتنموية تعكس تنامي الوعي بأهمية الهجرة كرافعة للتنمية المجالية المستدامة.
وجاء تنظيم هذا اللقاء العلمي بشراكة بين جامعة السلطان مولاي سليمان ممثلة في ماستر “الهجرة والتنمية الترابية”، ومختبر دينامية المشاهد والمخاطر والتراث، إلى جانب جمعية أم الربيع للتنمية المندمجة، وجمعية الخاوة العمرية الموساوية بالمهجر، وجمعية الباحثين الجغرافيين في الماء والبيئة، فضلا عن المجلس الجماعي لمدينة الفقيه بن صالح.

وشكل هذا الحدث مناسبة لتقاطع الرؤى بين الفاعلين الأكاديميين والمؤسسات الترابية والمجتمع المدني، بهدف إعادة صياغة المقاربة التقليدية للهجرة، عبر الانتقال من اختزال دور المهاجر في التحويلات المالية إلى اعتباره فاعلا أساسيا في الرأسمال البشري واللامادي، وشريكا محوريا في دعم التنمية المحلية والجهوية.

وافتُتحت أشغال اللقاء بكلمات ترحيبية وتأطيرية تحت تسيير الأستاذ سلاك بوعزة، منسق اليوم الدراسي، حيث أكد السيد عزالدين غازي، رئيس قسم الشؤون الاقتصادية بعمالة الفقيه بن صالح، انخراط الإدارة الترابية في دعم المبادرات العلمية والبحثية المواكبة للأوراش التنموية والإصلاحات الكبرى التي تعرفها المملكة، داعيا الباحثين والأكاديميين إلى الانخراط الفعلي في الديناميات التنموية المفتوحة بالإقليم.

من جهته، أبرز الأستاذ محسن إدالي، منسق ماستر “الهجرة والتنمية الترابية”، أن هذا اللقاء يواكب التحولات الوطنية الكبرى، مؤكدا أن مغاربة العالم يشكلون سفراء للمغرب وحاملي هويته الحضارية والثقافية، إلى جانب أدوارهم المتزايدة في التنمية الترابية.
أما السيد الحبيب حكيم، رئيس جمعية الخاوة العمرية الموساوية بالمهجر، فقد أوضح أن انخراط الجمعية في تنظيم هذا اللقاء يأتي امتدادا لنجاح “ملتقى المهاجر”، مشددا على أن الشراكة مع الجامعة تمثل مدخلا أساسيا لفهم قضايا المهاجرين وتعزيز مساهمتهم في التنمية المحلية بإقليم الفقيه بن صالح.

وأكد السيد المكاوي عبد الرزاق، ممثل جمعية أم الربيع للتنمية المندمجة، على ضرورة اعتماد البحث العلمي كآلية أساسية لمعالجة قضايا التنمية، معتبرا أن بناء نموذج ترابي لإدماج المهاجر يقتضي تضافر جهود مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين والأكاديميين.
وفي مداخلة ذات بعد بيئي، شدد السيد طارق العرفي، رئيس جمعية الباحثين الجغرافيين في الماء والبيئة، على أهمية إدراج البعد البيئي والطبيعي ضمن مقاربة ظاهرة الهجرة، خاصة بإقليم الفقيه بن صالح الذي تأثر بشكل واضح بتوالي سنوات الجفاف وما تطرحه من تحديات اجتماعية ومجالية.
كما اعتبرت السيدة تورية لمبعد، رئيسة شعبة الجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، أن هذا اللقاء يشكل فرصة علمية مهمة أمام الطلبة الباحثين للانفتاح على محيط الجامعة وتعزيز سبل التعاون مع الفاعلين الترابيين، مبرزة أهمية الإشكالات التي يطرحها موضوع الهجرة والتنمية الترابية في السياق الراهن.
بدوره، شدد الأستاذ سلاك بوعزة، منسق اليوم الدراسي وممثل اللجنة المنظمة، على أهمية البحث العلمي الإجرائي في معالجة القضايا الترابية والتنموية، داعي إلى تبني مقاربة تشاركية في تشخيص الإشكالات المجالية، ومؤكدا أن الدراسات الجغرافية أصبحت قوة اقتراحية تساهم في اتخاذ القرار الترابي ومواكبة المشاريع التنموية الكبرى.
كما أبرز أن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في تقوية دور الفاعل المحلي في تنزيل نموذج تنموي مبتكر يدمج مختلف الإمكانيات والطاقات، وفي مقدمتها المهاجر باعتباره فاعل تنمويا بامتياز، مثنيا على التعاون الكبير الذي حظي به هذا اليوم الدراسي من طرف الجمعيات الشريكة والمجلس الجماعي للفقيه بن صالح، إلى جانب دعم عامل الإقليم ومواكبته المستمرة.
وشهد اللقاء توقيع اتفاقية شراكة وتعاون استراتيجي بين جمعية الخاوة العمرية الموساوية بالمهجر وماستر التميز في الهجرة والتنمية الترابية التابع لجامعة السلطان مولاي سليمان، بهدف فتح المجال أمام الطلبة الباحثين لإنجاز بحوث ودراسات ميدانية معمقة حول قضايا المهاجرين، وتعزيز دور الجمعية كقوة اقتراحية لمشاريع البحث العلمي.
وعرفت الجلسة العلمية الأولى، التي ناقشت موضوع “الهجرة والمشروع الترابي؛ نحو إدماج فعّال للهجرة في التنمية المجالية المستدامة والحكامة الترابية”، تقديم مداخلات علمية متعددة قاربت إشكالية الهجرة من زوايا بيئية وتنموية ومجالية مختلفة.
وفي هذا الإطار، أكد طارق العرفي التأثير الكبير للتغيرات المناخية بإقليم الفقيه بن صالح، مستند إلى دراسة ميدانية أبرزت انعكاسات التراجع التساقطي وارتفاع درجات الحرارة على النموذج التنموي المحلي، خاصة في ظل هشاشة الموارد المائية واعتماد الاقتصاد المحلي على القطاع الفلاحي.
من جانبه، تناول الباحث عبد الغني الدباغي موضوع “تأثير الهجرة الدولية بهوامش مدينة الفقيه بن صالح”، موضحا أن الهجرة ساهمت في إعادة تشكيل المجال الحضري وشبه الحضري، سواء من خلال التحولات العمرانية أو الديناميات الاجتماعية والاقتصادية، غير أن إدماج الهجرة ضمن المشروع الترابي المحلي ما يزال محدودا ويحتاج إلى آليات أكثر نجاعة.
أما الدكتورة جيهان لحرور، الخبيرة في خلق ومواكبة المقاولات، فقد ركزت على أهمية المقاولة باعتبارها رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالإقليم، وآلية فعالة لإدماج المهاجرين في المشروع التنموي المحلي، داعية إلى الاستفادة من خبرات وكفاءات مغاربة العالم في خلق قيمة مضافة داخل النسيج الاقتصادي المحلي.
وفي الجلسة العلمية الثانية، التي خُصصت لتقديم دراسة تشخيصية حول “رهانات إدماج الهجرة في التنمية الترابية”، تألق طلبة ماستر “الهجرة والتنمية الترابية” في تقديم عرض علمي متميز شكّل ثمرة عمل ميداني وبحثي استمر لأربعة أشهر، بمشاركة 53 طالبا وطالبة تحت إشراف الأستاذ بوعزة سلاك.
وشملت الدراسة مختلف الجماعات الترابية بالإقليم، وركزت على محاور متعددة من بينها تشخيص واقع الهجرة، والحكامة الترابية، وإدماج الهجرة في التخطيط المحلي، ومشاركة المهاجرين واستثماراتهم، إضافة إلى آليات التمويل والتتبع والتقييم، واستعراض تجارب دولية ناجحة في تعبئة الجاليات المهاجرة لخدمة التنمية المحلية.
وكشفت نتائج الدراسة عن اختلالات واضحة في تدبير ملف الهجرة محلياً، أبرزها غياب معطيات دقيقة حول الهجرة، وضعف إدماج هذا الموضوع في برامج العمل الجماعية، إلى جانب محدودية التنسيق المؤسساتي وغياب لجان متخصصة، ما يعيق تحويل المهاجر إلى فاعل ترابي حقيقي وشريك في صناعة القرار المحلي.
وفي المقابل، أبرزت الدراسة وجود وعي متزايد بأهمية المهاجر ودوره التنموي، غير أن هذا الوعي لا يواكبه تنزيل عملي ومؤسساتي قادر على استثمار الرأسمال البشري والمعرفي الذي تمثله الجالية المغربية بالخارج.
كما قدم الباحثون والطلبة مجموعة من المشاريع الترابية المقترحة، من أبرزها إحداث “مرصد ترابي للهجرة” بمدينة الفقيه بن صالح، باعتباره آلية للرصد والتخطيط والاستشراف ودعم اتخاذ القرار، إضافة إلى مشاريع صناعية ولوجستيكية تستثمر خبرات المهاجرين وتحويلاتهم المالية في خلق فرص الشغل وتحسين جاذبية الإقليم.
واختُتم هذا اليوم الدراسي بصياغة جملة من التوصيات، من بينها الدعوة إلى خلق مرصد جهوي وإقليمي للهجرة، وتعزيز التأطير المقاولاتي لمغاربة العالم، وتثمين الدور الذي يقوم به “ملتقى المهاجر”، إلى جانب تصميم برامج للإدماج الاقتصادي للمهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء، وتقوية الشراكات الأكاديمية مع مختلف الفاعلين الترابيين والمؤسساتيين.
وأكد المشاركون أن مستقبل التنمية بإقليم الفقيه بن صالح يظل رهينا بقدرة الفاعلين المحليين على بناء الثقة مع الجالية المغربية بالخارج، وتبسيط المساطر، وإرساء آليات مؤسساتية تجعل من المهاجر شريكا فعليا في المشروع الترابي والتنمية المستدامة.