في الوقت الذي تكافح فيه جمعيات مدنية بخنيفرة من أجل الاستمرار في تقديم خدماتها لفئات هشة تحتاج إلى المواكبة والرعاية اليومية، يثار نقاش متجدد حول أولويات صرف المال العام ومدى انسجامها مع الحاجيات الحقيقية للمجتمع.
وتُعد جمعية رفيق لذوي اضطراب طيف التوحد بخنيفرة نموذجاً واضحاً لهذا الواقع؛ إذ تقدم خدمات تربوية وتأهيلية وإنسانية لفائدة أطفال يعانون من اضطراب طيف التوحد وأسرهم، في ظل إمكانيات محدودة وتحديات مالية متزايدة. فالجمعية، شأنها شأن العديد من الجمعيات الاجتماعية الجادة، تجد نفسها أمام إكراهات مرتبطة بتوفير الأطر المتخصصة والتجهيزات البيداغوجية والعلاجية، إضافة إلى مصاريف التسيير اليومية التي تتطلب دعماً مستمراً ومنتظماً.
ورغم الأدوار الحيوية التي تقوم بها هذه الجمعيات في التخفيف من معاناة الأسر وسد جزء من الخصاص في مجال الخدمات الاجتماعية والتربوية، فإن حجم الدعم الذي تتلقاه غالباً ما يظل محدوداً مقارنة بحجم المهام الملقاة على عاتقها.
في المقابل، تشهد بعض التظاهرات والمهرجانات الفنية رصد ميزانيات مهمة من المال العام، تُصرف على حفلات وعروض لا تتجاوز مدتها بضعة أيام. ورغم أهمية الثقافة والفن في تنشيط الحياة العامة وتحريك العجلة الاقتصادية والسياحية، فإن التساؤلات تظل مطروحة حول مدى التوازن بين تمويل الأنشطة الاحتفالية ودعم المبادرات ذات البعد الاجتماعي والإنساني.
فأي أثر تنموي يمكن أن يوازي الأثر الذي تحققه جمعية تواكب أطفالاً في وضعية خاصة وتمنحهم فرصة للاندماج في المجتمع؟ وأي استثمار أجدى للمجتمع من دعم مؤسسات وجمعيات تساهم بشكل مباشر في تحسين جودة حياة المواطنين الأكثر حاجة؟
إن النقاش هنا لا يتعلق برفض الأنشطة الثقافية أو الفنية، بل بضرورة إعادة ترتيب الأولويات وفق مقاربة تنموية تجعل الإنسان في صلب السياسات العمومية. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بعدد المهرجانات التي تنظمها، بل أيضاً بمدى رعايتها للفئات الهشة وقدرتها على توفير الدعم للمبادرات التي تخدم المصلحة العامة.
ومن هذا المنطلق، أصبح من الضروري التفكير في آليات أكثر عدالة وشفافية لتوزيع الدعم العمومي، بما يضمن تمكين الجمعيات الجادة والفاعلة من الموارد الكافية للاستمرار في أداء رسالتها الإنسانية والاجتماعية، خاصة تلك التي تشتغل في مجالات حساسة كالإعاقة والتوحد والصحة النفسية والتربية الخاصة.
إن أطفال التوحد وأسرهم لا يحتاجون إلى الأضواء الساطعة ولا إلى منصات الاحتفال بقدر حاجتهم إلى مراكز متخصصة، وأطر مؤهلة، وتجهيزات مناسبة، ودعم مستدام يضمن لهم الحق في التعلم والتأهيل والاندماج.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المواطنين اليوم: هل الأولوية لتمويل مهرجان ينتهي بانطفاء الأضواء، أم لدعم جمعية تزرع الأمل في حياة أطفال وأسر يحتاجون إلى المساندة كل يوم؟ إنه سؤال يرتبط بجوهر التنمية الحقيقية وبالاختيارات التي تعكس مدى وضع الإنسان في قلب السياسات العمومية.