للإنصاف والتاريخ: شهادة في حق المناضل الأستاذ الدكتور مصطفى بلعوني

بقلم/عبد الكريم زهير -ماب ميديا-

تابعت، كما تابع كثيرون، التعليق الذي نشره السيد الحسين أ.ط في صفحة “استقلاليون بلا حدود” في معرض رده على تدوينة الأستاذ الدكتور مصطفى بلعوني المتعلقة بغلاء المعيشة وتأثيره على الأسر المغربية. وإذ أؤمن بأن الاختلاف في الرأي حق مشروع، فإن ما استوقفني في ذلك التعليق هو انتقاله من مناقشة الأفكار إلى استهداف الشخص والتشكيك في نواياه وتاريخه النضالي.

 

 

إن الإنصاف يقتضي التذكير بأن الرجال يقاسون بما قدموه من مواقف وأعمال، لا بما يوجه إليهم من اتهامات أو أوصاف عابرة. ولذلك أجد نفسي ملزما، بحكم معرفتي الشخصية بالرجل ومعايشتي لجزء مهم من مساره، أن أدلي بهذه الشهادة التي أعتبرها واجبا أخلاقيا وتاريخيا.

لقد عرفت الأستاذ الدكتور مصطفى بلعوني منذ سنوات طويلة بمدينة طاطا، عندما كان أستاذا للسلك الثانوي ومناضلا نقابيا وسياسيا في زمن لم يكن فيه النضال مجرد شعارات ترفع أو تدوينات تنشر، بل كان التزاما يوميا قد يكلف صاحبه الكثير.

كان الرجل الذي كنت ألقبه ب”الداهية” من الوجوه البارزة داخل حزب الاستقلال والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، ومن المساهمين الأوائل في تأسيس الجامعة الحرة للتعليم بالمنطقة، كما أشرف على تأسيس وتأطير عدد من النقابات والهيئات المهنية والاجتماعية، ومن بينها نقابة التعاون الوطني بمدينة طاطا. ولم يكن حضوره يقتصر على الاجتماعات أو المكاتب، بل كان دائم التواجد في الميدان، قريبا من هموم المواطنين والشغيلة.

وأشهد شخصيا أنني كنت من الذين استفادوا من مواقفه النبيلة والشجاعة. فقد تعرضت للتوقيف عن العمل عقب مشاركتي في الإضراب العام التاريخي ليوم 14 دجنبر 1990. وكان انذاك مزله تحت المراقبة من قبل الدرك الملكي وفي وقت فضل فيه البعض الصمت أو الابتعاد عن الملف، بادر الأستاذ مصطفى بلعوني إلى الدفاع عن حقي بكل جرأة ومسؤولية.

وأتذكر جيدا أنه حرر بيده برقية احتجاج موجهة إلى الإدارة العامة للتعاون الوطني بالرباط، اعتبر فيها أن الإضراب حق دستوري مشروع، واحتج على قرار توقيفي. كما أتذكر أنه كان يحمل طابع النقابة في حقيبته الخاصة، فقام بختم البرقية وإرسالها عبر البريد. وقد أثمرت تلك المبادرة النضالية، إلى جانب متابعته المستمرة للملف، عن إرجاعي إلى عملي واستئناف مهامي في ظروف تحفظ كرامتي وحقوقي المهنية.

هذه الواقعة ليست سوى مثال واحد من عشرات المواقف التي كان ينتصر فيها للمظلومين دون انتظار مقابل أو منفعة شخصية.

أما الحديث عن “الريع” أو “البزولة”، كما ورد في تعليق السيد الحسين أ.ط، فإنه يجانب الحقيقة بالنسبة لمن يعرف الرجل عن قرب. فالأستاذ مصطفى بلعوني لم يكن يوما من الباحثين عن الامتيازات أو المناصب. وأذكر هنا واقعة يعرفها عدد من مناضلي الشبيبة الاستقلالية، مفادها أنه عندما كان مستشارا بديوان الوزير الأول الأسبق الأستاذ عباس الفاسي خلال إشرافه على وزارة التشغيل، تنازل عن جزء من التعويضات التي كانت تصرف له، وخصص مبلغا شهريا لدعم الطلبة المعطلين ومساندة قضاياهم الاجتماعية.

فهل هذا سلوك شخص يبحث عن الامتيازات، أم سلوك مناضل يؤمن بالتضامن الاجتماعي وبواجب الوقوف إلى جانب الفئات الهشة؟

كما عرفته شخصيا رجلا كريما وسخيا. فعندما كان يحل بمدينة الجديدة، لم يكن يتردد في مساعدة بعض الأعوان والموظفين البسطاء من ماله الخاص للتخفيف من أعبائهم والتوسعة عليهم خصوصا خلال الأعياد . ولم أسمع عنه يوما والتاريخ يسجل كل كبيرة وصغيرة أن الرجل استغل موقعا أو منصبا لتحقيق مصالح شخصية، بل كان معروفا بالجود وبالعطاء والكرم وحب مساعدة الآخرين.

وعلى المستوى التربوي والشبابي، كان للأستاذ مصطفى بلعوني دور كبير في تأطير أجيال من الشباب والتلاميذ من خلال الشبيبة الاستقلالية والشبيبة المدرسية وجمعيات التربية والتخييم. وقد ساهم في نشر الوعي بالحقوق والواجبات داخل المؤسسات التعليمية، وشجع التلاميذ على الدفاع عن حقوقهم المشروعة في ظروف الإيواء والتغذية داخل الداخليات.

وأتذكر أن الاحتجاجات التي عرفتها بعض الداخليات بطاطا نتيجة التأطير والتشبع بالفكر النضالي خلال تلك الفترة دفعت السلطات الإقليمية وخاصة عامل الاقليم إلى الاستعانة بالأستاذ مصطفى بلعوني ومرافقيه للمساهمة في الحوار مع التلاميذ المعتصمين، نظرا لما كان يحظى به من مصداقية وثقة لدى الشباب. وقد ساهم فعلا في إيجاد الحلول بعد الاستجابة للمطالب المشروعة للتلاميذ.

أما من الناحية الفكرية، فإن الرجل لم يكن مجرد فاعل سياسي أو نقابي، بل كان أيضا صاحب اهتمام فكري وثقافي عميق. ويكفي للدلالة على ذلك أن بحثه الجامعي لنيل الإجازة تناول كتاب “النقد الذاتي” للزعيم الوطني الراحل علال الفاسي، وهو أحد أهم المراجع الفكرية للحركة الوطنية المغربية. ولذلك ليس غريبا أن يظل وفيا لقضايا الهوية الوطنية واللغة العربية والسيادة الثقافية التي دافع عنها علال الفاسي طوال حياته.

إن الاختلاف مع الأستاذ الدكتور مصطفى بلعوني في الرأي أو الموقف حق مكفول للجميع، لكن محاولة تشويه تاريخه أو التقليل من قيمة عطائه النضالي والسياسي والنقابي والتربوي لا تخدم الحقيقة ولا تنصف رجلا أفنى جزءا كبيرا من حياته في خدمة قضايا المواطنين والشغيلة والشباب.

ويبقى الأهم من كل ذلك أن النقاش الحقيقي كان ينبغي أن ينصب على الأسئلة التي طرحها الرجل في تدوينته بشأن غلاء المعيشة ومراقبة الأسعار ودور المؤسسات المعنية في حماية القدرة الشرائية للأسر المغربية. وقال في تدوينة ايضاً “إن الندوات وحدها لا تؤثر بشكل مباشر في معاناة الأسر، خاصة عندما تُنظم داخل الصالونات المغلقة والفنادق الفخمة، بعيدا عن المواطنين وهمومهم اليومية. والأجدر أن تعقد مثل هذه اللقاءات داخل المقرات الحزبية أو الفضاءات القريبة من المواطنين، حتى تكون أكثر التصاقا بقضايا الشعب والأسر المغربية”. أما تحويل النقاش إلى هجوم شخصي على صاحب التدوينة، فلن يجيب عن تلك الأسئلة ولن يخفف من معاناة المواطنين.

إن الأستاذ الدكتور مصطفى بلعوني، في تقديري وفي تقدير كثير ممن عرفوه عن قرب، من المناضلين الذين أعطوا لحزبهم ولوطنهم أكثر مما أخذوا. وقد يختلف الناس حول آرائه، لكن يصعب على المنصفين إنكار ما راكمه من مواقف وتضحيات وعطاءات عبر عقود طويلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.