الحياح، كما يعرفه أهل الشاوية والفلاحون في سهولنا، هو كراكيز بسيطة تصنع من أكوام الملابس القديمة. ينصبها الفلاح في وسط حقله، لا لزينة ولا لبهجة، بل لتقوم بمهمة واحدة: إبعاد الطيور عن المحاصيل وإخافتها كي لا تتلف الغلة. سُمي “حياحاً” لأنه يهيّج الطير ويخيفه، فيقوم نيابة عن صاحبه بالحراسة.
هذه الكراكيز كنا نظنها حكراً على الحقول، حتى اكتشفنا أن لها نسخة أخرى، لكنها أخطر وأقبح. نسخة تمشي على قدمين، وتحمل قلماً بدل العصا، وتقف في “الحقل السياسي” لا في حقل القمح.
هذه الأقلام لا تكتب حبراً، بل تفرز سموماً. هي أقلام مستعارة ومأجورة، لا قضية لها إلا قضية أسيادها. وعندما لا تجد من يلتفت لما تخطه على صفحاتها، تصاب بـ”الإسهال الكتابي” بحثاً عن الأنظار. فتطلق رائحة نتنة كريهة، تماماً كما تفعل الضباع في الغابة حين تفرز مواد مقززة لإبعاد أعدائها والانفراد بالجيفة وحدها.
إن ما تقيئه هذه الأقلام من إشاعات كاذبة، وتحوير لمقاصد الرجال، وزيف للحقائق، أنتن من مخلفات الآدميين في المراحيض. يكفي أن تقع عينك عليه صدفة حتى تدفعك غريزتك للابتعاد مقزاً، وإلا فالقيء سيداهمك، ولن يسلم منه حتى “الكرداس” الذي أكلته قبل عامين أو ثلاثة.
والمفارقة العجيبة أن أصحاب هذه الأقلام، ومن يدور في فلكهم، هم أنفسهم من لا يطيقون الوقوف عند إشارة مرور، ويعتبرون توقيف الشرطة لهم انتقاصاً من “شخصهم كمسؤولين”. ثم يخرجون علينا بخطب رنانة يدّعون فيها تمثيل المواطن، والدفاع عن القانون، والمشاركة في محاربة الفساد الذي يراه الناس بأعينهم.
فكيف لمن لا يحترم أبسط قواعد المرور أن يقنع الناس بأن القانون فوق الجميع؟ وكيف لمن يسخر قلمه لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية أن يزعم أنه حارس على المصلحة العامة؟
ختاما
الحياح في الحقل نعذره، فمهمته حماية الرزق. أما حياح الأقلام فلا عذر له، لأنه يتلف العقول قبل المحاصيل، ويبذر الشك والريبة بدل القمح. فألا يخجلون؟!