نزار بركة يقود نقاشاً وطنياً حول محاربة الفساد

بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس

احتضنت مدينة سلا، مساء الثلاثاء 21 يوليوز 2026، ندوة وطنية كبرى نظمها حزب الاستقلال تحت شعار “محاربة الفساد بالمغرب.. الواقع والتحديات”، برئاسة الأمين العام للحزب نزار بركة، وبحضور قيادات حزبية وبرلمانيين وأساتذة جامعيين وخبراء في القانون والاقتصاد، في لقاء شكل محطة سياسية وفكرية لتقييم واقع محاربة الفساد بالمغرب واستشراف سبل تعزيز الحكامة الجيدة وتخليق الحياة العامة.

 

وشهدت الندوة مشاركة كل من عبد الجبار الرشيدي، وعبد الصمد هدوف، وجميلة العماري، ومحمد حركات، وبدر السريفي، وعبد الله الترابي، حيث قدموا مداخلات تناولت الجوانب القانونية والدستورية والاقتصادية المرتبطة بمكافحة الفساد، في ظل التحولات التي يشهدها المغرب والإصلاحات المؤسساتية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس.

وأكد نزار بركة، في كلمته الافتتاحية، أن معركة مكافحة الفساد ليست شعاراً سياسياً أو ظرفياً، بل هي مشروع وطني متواصل يقتضي تعبئة جماعية وإرادة حقيقية لترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها ركائز أساسية لبناء دولة قوية بمؤسساتها، وقادرة على تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.

وأضاف أن الفساد يشكل أحد أبرز العوائق أمام تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لما يخلفه من آثار سلبية على الاستثمار، وتكافؤ الفرص، وجودة الخدمات العمومية، وثقة المواطن في المؤسسات، الأمر الذي يستوجب مواصلة الإصلاحات القانونية والإدارية، وتطوير آليات المراقبة والمحاسبة.

وناقشت الندوة أربعة محاور رئيسية جاءت في أرضيتها الفكرية، حيث تناول المحور الأول مخاطر الفساد الاقتصادي، وطرح تساؤلات حول مدى فعالية الآليات القانونية والمؤسساتية في الحد من الجرائم الاقتصادية وحماية المال العام، مع التأكيد على ضرورة تحديث المنظومة التشريعية بما يواكب التطورات التي يعرفها هذا المجال.

أما المحور الثاني، فقد خصص لموضوع تضارب المصالح وحيادية القرار العمومي، باعتباره من أهم التحديات التي تواجه الحكامة الجيدة، حيث شدد المتدخلون على أهمية إرساء قواعد واضحة تمنع تداخل المصالح الخاصة مع المسؤوليات العمومية، بما يعزز ثقة المواطنين في الإدارة ويكرس مبدأ المساواة.

وتوقف المشاركون في المحور الثالث عند دور هيئات الحكامة والرقابة في تعزيز النزاهة والشفافية، معتبرين أن هذه المؤسسات تضطلع بدور محوري في حماية المال العام وتتبع تدبير الشأن العام، مع الدعوة إلى تقوية استقلاليتها، وتوفير الإمكانيات البشرية والقانونية اللازمة لتمكينها من أداء مهامها بكفاءة وفعالية.

فيما خصص المحور الرابع لمناقشة المداخل الأساسية لمكافحة الإثراء غير المشروع، حيث أكد المتدخلون أن التصدي لهذه الظاهرة يقتضي منظومة قانونية متكاملة، وإرادة سياسية قوية، وتعاوناً بين مختلف المؤسسات، بما يضمن تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وحماية المصلحة العامة.

وأجمع المشاركون على أن محاربة الفساد ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأحزاب السياسية، والبرلمان، والقضاء، وهيئات الحكامة، والمجتمع المدني، والإعلام، باعتباره شريكاً أساسياً في نشر ثقافة النزاهة، وترسيخ قيم المواطنة، ومواكبة قضايا الإصلاح بموضوعية ومهنية.

كما شدد المتدخلون على أن نجاح أي استراتيجية وطنية لمحاربة الفساد يظل رهيناً بتفعيل القوانين، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، وتسريع ورش الرقمنة، وتبسيط المساطر الإدارية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما ينسجم مع أحكام دستور المملكة وتوجيهات جلالة الملك الرامية إلى تخليق الحياة العامة وتعزيز الحكامة.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن المغرب راكم تجربة مهمة في مجال الإصلاح المؤسساتي، غير أن كسب معركة مكافحة الفساد يتطلب استمرار الإصلاح، وتضافر جهود جميع الفاعلين، حتى تتحول مبادئ الشفافية والنزاهة إلى ثقافة مؤسساتية وسلوك يومي ينعكس إيجاباً على التنمية وثقة المواطنين في مؤسساتهم.

وقد عكست هذه الندوة الوطنية حرص حزب الاستقلال على فتح نقاش عمومي مسؤول حول واحدة من أهم القضايا الوطنية، في أفق تقديم تصورات واقعية واقتراحات عملية من شأنها الإسهام في بناء مغرب أكثر نزاهة وعدالة وشفافية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.