شغب خطير بعد مباراة الجيش والرجاء

ماب ميديا /البداوي معاد

مرة أخرى، يجد الرأي العام نفسه أمام مشاهد شغب مرتبطة بمباريات كرة القدم، تُقدَّم غالباً كحوادث معزولة أو كنتيجة مباشرة “للحماس الزائد”. غير أن هذا التفسير السريع يخفي أكثر مما يكشف. ما يحدث في المدرجات ومحيط الملاعب لا يمكن فصله عن سياق اجتماعي أوسع، حيث تتحول كرة القدم من مجرد لعبة إلى فضاء مشحون بالرهانات الرمزية والهوياتية.

 

في هذا السياق، يبرز الملعب باعتباره مساحة لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية تحت ضغط جماعي مكثف. فالفرد، حين ينخرط في جمهور واسع، لا يتصرف بالضرورة وفق منطقه الشخصي، بل يخضع لدينامية جماعية تذيب الحدود بين الذات والآخرين. هذا ما يفسره مفهوم Collective Effervescence، حيث تتولد حالة من الاندماج العاطفي تجعل ردود الفعل أكثر حدة وأقل قابلية للضبط. داخل هذه الحالة، يمكن لسلوك بسيط أن يتحول بسرعة إلى فعل جماعي عنيف، ليس نتيجة قرار فردي بقدر ما هو استجابة لعدوى نفسية داخل المجموعة.

 

يتعزز هذا المسار حين يتجاوز الانتماء الرياضي حدوده الطبيعية ليصبح شكلاً من أشكال تعريف الذات. في ظل محدودية قنوات الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، يلجأ جزء من الشباب إلى تبني هوية كروية تمنحه الإحساس بالانتماء والقيمة.

 

 

غير أن هذه الهوية، حين تُبنى على أساس الإقصاء، تتحول إلى مصدر توتر دائم، حيث يُنظر إلى الآخر، أي مشجع الفريق المنافس، كخصم يجب مواجهته لا كمشارك في نفس الفضاء الرياضي. هذا التحول يجد تفسيره في Social Identity Theory، التي توضح كيف يميل الأفراد إلى تضخيم الفوارق بين “نحن” و”هم”، بما يعزز التماسك الداخلي للجماعة على حساب السلم الاجتماعي.

 

ولا يمكن إغفال البعد المرتبط بغياب قنوات فعالة للتعبير. حين تضيق إمكانيات المشاركة السياسية والثقافية، ويضعف الإحساس بالإنصات، يتحول العنف إلى وسيلة بديلة للتعبير عن الإحباط والغضب. لا يعني ذلك تبرير هذه الأفعال، بل فهم شروط إنتاجها. فاختزال الظاهرة في بعدها الأمني، أو في سلوكيات فردية منحرفة، يغفل العوامل البنيوية التي تجعل من الملاعب فضاءً قابلاً للاشتعال في كل لحظة.

 

ضمن هذا الإطار، تلعب المدن الكبرى مثل Casablanca وRabat دوراً مضاعفاً في تغذية هذه الديناميات، بالنظر إلى ما تعرفه من كثافة سكانية مرتفعة وتفاوتات اجتماعية واضحة. هذه العوامل تخلق توتراً يومياً يتراكم بصمت، قبل أن يجد في المباريات مناسبة للتفريغ الجماعي. الملعب، بهذا المعنى، لا ينتج العنف بقدر ما يكشف عن وجوده في النسيج الاجتماعي.

 

في المقابل، تظل المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، عاجزة عن تقديم حل نهائي. فالتدخلات الزجرية قد تحد من انتشار العنف في لحظته، لكنها لا تعالج أسبابه العميقة. كما أن وجود ترسانة قانونية لا يضمن بالضرورة الفعالية، في غياب سياسات موازية تستهدف التنشئة والتأطير وإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات. الت
عامل مع الظاهرة باعتبارها تهديداً أمنياً فقط يؤدي إلى إعادة إنتاجها بأشكال مختلفة، بدل الحد منها.

 

أما مجموعات الألتراس، التي تُختزل غالباً في بعدها العنيف، فهي تعكس بدورها مفارقة لافتة. فهي من جهة فضاءات لتنظيم جماعي وإبداع بصري وخطابي، ومن جهة أخرى يمكن أن تتحول، في غياب التأطير، إلى بنى مغلقة تعيد إنتاج منطق الصراع. هذا التناقض يعكس طبيعة الظاهرة نفسها، التي لا يمكن فهمها من زاوية واحدة.

 

 

في النهاية، لا يبدو شغب الملاعب حدثاً طارئاً بقدر ما هو تعبير عن خلل في العلاقة بين فئات من الشباب ومحيطهم الاجتماعي. وبين خطاب الإدانة السريع، والمقاربات الأمنية المحدودة، يظل السؤال الحقيقي معلقاً: كيف يمكن تحويل هذه الطاقة الجماعية من مصدر للتوتر إلى رافعة للاندماج؟ تجاهل هذا السؤال لا يلغي المشكلة، بل يؤجل عودتها في لحظة أكثر حدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.