الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمل بالمغرب

ماب ميديا

       كشف تقرير استراتيجي حديث ،صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في شهر أبريل 2026، أن التحول المتسارع للذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على تهديد الوظائف بالاختفاء، بل بات يعيد تركيب محتوى العمل داخل المهن القائمة، واضعًا المغرب أمام تحديات عميقة في أفق سنة 2030، حيث يُتوقع أن يقع نحو 1.5 مليون منصب شغل تحت ضغط تحولي مرتفع، مقابل قدرة محدودة على خلق وظائف رقمية جديدة لا تتجاوز 180 ألف فرصة. 

وفي هذا السياق، أوضح التقرير أن ما يقارب 3.1 ملايين وظيفة مرشحة لتحولات مهنية كبيرة، بينما سيتأثر حوالي 4.6 ملايين منصب بدرجات متفاوتة، وهو ما يعكس فجوة متنامية بين تسارع الابتكار التكنولوجي وضعف القدرة على استيعابه داخل سوق الشغل الوطني، خاصة في ظل بطء برامج التأهيل وإعادة التكوين.

ومن جهة أخرى، انتقل تأثير الأتمتة من الأعمال اليدوية إلى الوظائف المعرفية، حيث أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ مهام تحليلية وتنسيقية داخل قطاعات حيوية مثل الإدارة والمالية والهندسة والقانون، الأمر الذي يعيد توزيع القيمة داخل المهن ويقلص الحاجة إلى المهام الروتينية.

كما أشار التقرير إلى أن قطاع “الأوفشورينغ” ومراكز الاتصال في المغرب، الذي يضم أكثر من 148 ألف وظيفة، يعد من بين الأكثر عرضة لهذا التحول، إذ تواجه حوالي 44 ألف وظيفة خطرًا مرتفعًا، في وقت يمتد فيه التأثير إلى قطاعات البنوك والتأمين وصناعة السيارات والنسيج، فضلًا عن الإدارة العمومية.

وفي المقابل، تتجه تداعيات هذا التحول بشكل خاص نحو فئة الشباب، خاصة في وظائف الدخول التي كانت تمثل بوابة الاندماج في سوق العمل، إلى جانب النساء اللواتي يتركزن بنسبة كبيرة في القطاعات الأكثر عرضة للأتمتة، مما ينذر بتفاقم الفوارق الاجتماعية إذا لم تُتخذ إجراءات استباقية.

علاوة على ذلك، يبرز الاقتصاد غير المهيكل، الذي يمثل حوالي 67.6 في المئة من التشغيل في المغرب، كعامل معقد في معادلة التحول، إذ يساهم في امتصاص الصدمات قصيرة المدى، لكنه في المقابل يحد من فرص الاستفادة من برامج التأهيل والحماية الاجتماعية، ما قد يؤدي إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية.

وفي أفق ما بعد 2030، يتوقع أن تدخل موجة ثانية من التحول مرتبطة بالروبوتيك، قد تؤثر على نحو 1.6 مليون منصب إضافي، خاصة في قطاعات الفلاحة والصناعة واللوجستيك وتجارة التقسيط، وهو ما سيرفع عدد الوظائف ذات المخاطر المرتفعة إلى حوالي 2.9 ملايين منصب.

وفي هذا الإطار، حذر التقرير من مخاطر استراتيجية متعددة، من بينها اتساع فجوة الأجيال المهنية نتيجة تقلص وظائف البداية، إضافة إلى الانحياز الخوارزمي الذي قد يعيد إنتاج التفاوتات، فضلًا عن مخاطر التبعية التكنولوجية وتهديدات السيادة الرقمية.

وختمت الدراسة بالتأكيد على ضرورة اعتماد سياسات عمومية استباقية، ترتكز على تطوير مهارات الانتقال المهني، وتوسيع برامج إعادة التأهيل، وتحديث أنظمة الحماية الاجتماعية لتواكب أنماط العمل الجديدة، بما يضمن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة للنمو بدل أن يصبح مصدرًا جديدًا للفوارق الاجتماعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.