كشفت أبحاث علمية حديثة نقلتها صحيفة الباييس عن معطيات جيولوجية جديدة تشكك في فرضية حدوث فيضان كارثي عبر مضيق جبل طارق ملأ البحر الأبيض المتوسط بعد جفافه قبل ملايين السنين، معتبرة أن هذا السيناريو الشائع قد يكون غير دقيق.
وفي هذا السياق، تشير الدراسة إلى أن القناة المائية التي أعادت ربط المتوسط بالمحيط الأطلسي ربما لم تكن في موقع المضيق الحالي بين المغرب وإسبانيا، ما يضعف واحدة من أبرز النظريات الجيولوجية التي سادت لأكثر من نصف قرن.
كما تتعارض هذه النتائج مع فرضية “الفيضان الزنكلي” التي صاغها العالمان كينيث هسو وويليام رايان في سبعينيات القرن الماضي، والتي افترضت تدفقاً هائلاً لمياه الأطلسي نحو المتوسط بشلالات ضخمة أعادت ملأه بشكل سريع بعد جفافه.
غير أن باحثين معاصرين، من بينهم جييرمو بوث ريا من جامعة غرناطة، يرون أن تلك الفرضية مبالغ فيها، مرجحين أن البحر المتوسط لم ينفصل كلياً عن المحيط، أو أنه امتلأ تدريجياً عبر فترات زمنية طويلة، وليس بفعل حدث كارثي مفاجئ.
وفي المقابل، تدعم هذه الرؤية معطيات جيولوجية حديثة، من بينها غياب آثار فيضانات عنيفة في الطبقات الرسوبية، ووجود تكوينات تشير إلى بيئات هادئة ومنخفضة الطاقة، وهو ما يتناقض مع سيناريو تدفق مائي هائل.
كما أظهرت دراسات أخرى، من بينها أبحاث فينيسيو مانزي، أن الترسبات الملحية الضخمة في قاع المتوسط لا يمكن تفسيرها بحدث تبخر واحد، بل بعمليات متكررة ومعقدة استمرت لآلاف السنين، مرتبطة بالتغيرات المناخية والدورات الجيولوجية.
وفي السياق ذاته، كشفت نماذج حديثة أعدها دانييل غارسيا كاستيلانوس أن امتلاء البحر المتوسط قد يكون تم تدريجياً عبر تدفقات مائية من مناطق أخرى، مثل حوض باراتيتس، بدل تدفق مباشر وقوي من المحيط الأطلسي.
كما دعمت نتائج بعثة علمية حديثة بقيادة راشيل فليكر غياب أي دليل مادي قاطع على حدوث فيضان كارثي، مشيرة إلى أن الطبقات الجيولوجية المكتشفة لا تتوافق مع تأثيرات تدفقات مائية عنيفة.
ويخلص الباحثون إلى أن تشكل البحر الأبيض المتوسط بصورته الحالية كان نتيجة تحولات جيولوجية تدريجية ومعقدة، وليس بفعل حدث مفاجئ واحد، ما يعيد فتح النقاش العلمي حول تاريخ هذا الحوض البحري وأصوله.